الثلاثاء، 27 ديسمبر 2011

المخابرات الأميريكية ومقدمات التغيير فى ليبيا (2) أصـدقاء وعمـلاء C I A فى لـيبيـا (من محتويات كتاب "التاريخ السياسى ومستقبل المجتمع المدنى فى ليبيا")



 



فى الحلقة الماضية "المخابرات الأمريكية ومقدمات التغيير فى ليبيا" أشرنا إلى ما تناوله الفصل السادس من  كتاب "التاريخ السياسى ومستقبل المجتمع المدنى فى ليبيا" فيما يعنيه النشاط الذى قامت به عناصر وعملاء المخابرات الأمريكية فى بلادنا ليبيا، وعلاقة ذلك بما حدث يوم 31 أغسطس ــ آب سنة 1969م، وحدوث الإنقلاب العسكرى فى يــوم الأول من سبتمبر ــ أيلول بقيادة الملازم (معمر القذافى). وكشفنا النقاب عن بعض أدوار أجهزة الغرب وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية،واستعرضنا بعض ما تناولته كتابات بعض عملاء أجهزة الإستخبارات ؛ للتدليل بها عن حقيقة المؤامرات والدسائس التى أستهدفت ومازالت تســتهدف بها بلادنا لـيبيـا منذ وقت بعيد. كما تناولنا التقرير الذى كتبه ماكرتينى ــ Laton McCartney فى الجزء الخاص بليبيا من كتابه friends In high places – the Bechtel story الذى أشـار فيه الى موقف الولايات المتحدة الأمريكية من إنقلاب الأول مــن سبتمبر سنة 1969م فى ليبيا قوله:
 
(… وبناء على نصائح المخابرات المركزية الأمريكية CIA قام مصطفى بن حليم وكبار المسئولين بالشركات الأمريكية في ليبيا بما فيهم بكتل وأوكسيدنتال بمغادرة البلاد إلى روما بإيطاليا... غير أن المسئولين الأمريكيين سريعاً ما قاموا بطمأنتهم، وبانه لا يوجد أى داع للقلق تجاه قادة الانقلاب حيث إن السفارة الأمريكية في طرابلس قد قامت بإبلاغ واشنطن بأن الإنقلابممكن ان يكون دعامة في عدم تغلغل الشيوعية في المنطقة و الدول العربية، كما أفادت السفارة بأن القذافي قد وعد بحماية المصالح الغربية جميعها بما في ذلك استمرار ضخ البترول..).
 
ولأن الأمور لم تكن آنذاك واضحة بالنسبة للكثيرين ممن يعنيهم ما يحدث في ليبيا، ولأن ما بدا واضحا في السلوك السياسي – الإعلامي الذي تعاطته كل من الولايات المتحدة وقيادة حركة الإنقلاب لم يكن يقطعى بخفايا العلاقات السّرية الخاصة… غير انه يقطع بعلم أجهزة الحكومة والإستخبارات الأمريكية C I A ودورها فيمــا كان يحدث قبل سقوط النظام الملكي ومقدمات التغيير وتداعياته فى ليبيا.
 
وإذا كان بعض أصدقاء وعملاء الولايات المتحدة وإستخباراتها في ليبيا لم يتلقوا توجيهات أوتعليمات وقتها بأسلوب وشكل التعامل مع النظام الجديد في البلاد؛ فإن ذلك قد أوقعهم في الحيرة التى تعرض لها السيد مصطفى بن
حليم وتحدث عنها ووصفها بقوله:
 
(... ثم ترسبت أثار الصدمة في نفسي وتوقف كابوس التشاؤم واستعدت رباطة جأشي وتفكيري الإيجابى وحلّقت الى آفاق فسيحة من أحلام اليقظة، والآمال الخيالية… وتساءلت: لماذا أستبعد أن يأتي شئ من الإصلاح وبعض من الخير من هذا النظام الجديد؟ ولماذا أكذّب دعوى الإنقلابيين من أن هدفهم اقتلاع الفساد وإصلاح أمور الوطن؟... ولماذا لا نعطى النظام الجديد الفرصة؟.. وحزمت أمري وقررت العودة إلى أرض الوطن وأبرقت لقائد الانقلاب متمنياً له التوفيق والسداد، ولكن رسائل عاجلة من أقاربي وأصدقائي سارعت إلىّ محذّرة من التفاؤل).(1)(*)
 
* * *
 
غير أن البعض الأخر من هؤلاء الأصدقاء والعملاء كان على دراية من بعض الخفايا واستطاع أن يستمر فى ممارسة دوره – سواء بتوجيهات ونصائح أوبذكاء منه ومنهم – ويقرأ ما بين سطور الظا هـر، فلم يكن هذا البعض من المصوغات الشكلية لمبررات قيام الانقلاب في ليبيا، على عكس حال السيد مصطفى بن حليم وآل الشـلحى؛ ركائز ركائز النظام الملكي ومبررات قيام الثورة وتحرير البلاد من قواعد الإستعمار وأعوان الإمبريالية وعملائها !.. وكان على الأمريكيين أن يعوا ذلك… بل أن ذلك كان شرطا من شروط نجاح سياساتهم حتى لوكان الثمن بعض أصدقائهم... فقد سبقت مقدمات التغيير فى ليبيا وقيام حركة الضباط الأحرار بإعلان سقوط النظام الملكى وصاحبتها نشاطات يجدر الإهتمام بها فى هذا السـياق.. ومراجعتها.. والتعرف عليهـــا.. فمن الأهمية بمكان الإشارة في هذا السياق إلى الدور الذي لعبه المستشار السيد "مصطفى كمال المهدوى(2) " فهوأحد عناصر البعض الأخر و(النموذج) من أصدقاء وعملاء المخابرات المركزبة الأمريكية ال CIA فى البلاد؛ كما وصفه أحد ضباط القوات المسلحة الليبية وكتب عنه يقول:
 
((.. كانت أول معرفتي بمصطفى المهدوي في أبريل سنة 1964م حيث انتقلت في عملي من رئاسة الأركان فى مدينةالبيضاء إلى المحكمة العسكرية في طرابلس وكان مصطفى المهدوي يعمل في المحكمة العليا قاضيا، ولأنه  على درجة من على درجة من القرابة العائلية بالسيد مصطفى بن حليم فإنه كان يتتبع خطى بن حليم، وكثيرا ما كان يأخذنى فى زيارات له فى بيته الواقع بمدينة الحدائق،.. وكان مصطفى المهدوى يسكن شارع "بن عاشور" وكان من اصدقائه ومازال المحامى الأستاذ "إبراهيم بشير الغويل"، وبعض الفلسطينيين، منهم الأستاذ "عيـسى القاسم" الأستاذ "نواف جرادات".. كان مصطفى المهدوي على علاقة وطيدة بمسئولي وضباط مطار قاعدة الملاحة الأمريكية في فى طرابلس "هويلس"... وكان بمجرد أن يرد بسيارته "الفوكس هول" الزرقاء من بعيد تفتــح له البوابة ليدخل بسيارته ومن معه الى داخل المطـــار... ذهبت معه عدة مرات وكان يحب أن يصطحبني معه، وكان "يلح" فى كل مكرة على ذلك... لم أفطن فى أول الأمـرللباعث على ذلك؛ ثم بدأت تنكشف لي الحقائق فى سـنة 1965م.. وما زلت أذكر ذلك اليوم… كان في فصل الشتاء والجوممطر وشاحب عندما طرق باب بيتي فى منطقة "كازابرايو" مصطفى المهدوي ومعه إثنان من زملائي الضباط بالجيش الليبي: مصطفى نوري من سلاح البحرية وعبد الحميد الجدايمي من المدفعية، و بعد أن اخذ كل منهم مكانه في حجرة الاستقبال.. إبتسم مصطفى المهدوى وهويقول: جاءت اللحظة الحاسمة… الملك قرر زيارة طرابلس… ورأى الجماعة أن يُنصب له كمين فى "الخُمس" حيث توجد كتيبة للدروع على الطريق الساحلي المؤدي إلى طرابلس؛.. ستوقفه وتأخذ منه تنازل عن العرش ويتم على الفور تشكيل حكومة عسكرية؛... نظرت في تعجب وإستغراب الى الضابطين.. أمعقول.. أهذا معقول؟!! نظر بعضهم إلى بعض ولم يفصح أي منهما بشئ… ثم وجّهت كلامي إلى مصطفى كمال وقلت: يا أستاذ مصطفى… أرجوك لا تتدخل في شئون الجيش،… أرجوأن يذهب كل منكم إلى حال سبيله دون ذكر لهذا الموضوع… أرجوكم انسوه… وانسوا أنكم قابلتموني،… كنت أخشى تورط زملائي وتورطي فيما لا يُحمد عقباه؛ فالرائد مصطفى نورى كان مدعياً عسكريا عاما، وهو هوزميل لي تخرج في الكلية العسكرية ببغداد ضمن الدفعة التالية لدفعتي… ولأنه من منطقة "الخمـس" فقد كان أن جاءه في المعسكر الرائد عبد الحميد الجدايمى وأخبره أن صديقاً له يعمل قاضياً بالمحكمة العليا إسمه "مصطفى كمال المهدوي" يريد مقابلته والتعرف عليه،… وأضاف قائلاً لي: إن المهدوي حدد لنا موعدا للقائنا بك الليلة... - وبعد بعد أكثر من عشرين عاماً من تاريخ هذه الواقعة،… وفي سنة 1986م - أخبرنى بالقاهرة الضابط السابق بالجيش الليبي الرائد "عبد المجيد هامان" وقال: (كنا سنقوم بحركة إنقلاب عسكرى فى شتاء سنة 1965م من الخمس بدعـم وموافقة الأمريكان،… ولكنهم صرفوا النظر عنها فى أخر لحظة، وبعد أن كنا على استعداد اتصل بنا مندوب من من طرابلس وطلب أن نوقف كل شــىء...).
 
في ربيع سنة 1966م وبعد انقطاع استمر لمدة سنة تقريباً دعاني مصطفى كمال المهدوى لحضورحفل عيد عيد ميلاد ابنته "فاطمة" في بيته، ولأن السيدة الفاضلة زوجته هي شقيقة زوجة أخي، وهى على علاقة حميمة بزوجتى فقد لبيت الدعوة وحضرت الحفل الذي ضم في صالتين عدد من النساء والرجال، وجاءت جلستى بجانب شخص أمريكي قدّمه لي مصطفى المهدوي وقال لي: (دردش معه بالعربية.. فهويتكلمها..) وقال الأمريكى: (.. تعلمت العربية في معهد "شملان" في لبنان).. وتركنا المهدوي، وواصل الأمريكي حديثه معي وعرفت منه أنــه خبير عسكري يعمل بالقاعدة الأمريكيــة (هويلس).. وقال من ضمن ما قاله: (أن بريطانيا قد شاخت وأصبح الدور عليكم لتضعوا أيديكم مع أمريكا... وقال أن أغلب الإمتيازات البترولية هى أمريكية وهى التى أنعشت بلادكم…).
 
وإنتهى الحفل… وغادرت المكان؛ والضابط الأمريكي يصافحني قائلاً: (أرجوأن أراك مـرة أخرى..).... بعد أقل من أسبوعين جاء مصطفى المهدوي إلى بيتي ودعاني للخروج معه، وعندماجلس إلى عجلة قيادة سيارته وأنا بجواره ؛ ضرب يده على جبهة رأسه كمن تذكّر شيئاً هاما وقال: (.. آه… لدي موعد مع الضابط الذي قام بزيارتي في عيد ميلاد "فاطمة" ضروري...معلهش… عشر دقائق… ستدخل معي إلى "ميز" الضباط ولن نغيب…) وإتجه من فوره إلى المطار بالقاعدة الأمريكية… وفتحت له البوابة الخارجية،… ثم ترجلنا إلى "نادي الضباط" حيث تركني وهويقول: (أنا ذاهب إلى "BX"… هل تريد شيئاً) طلبت منه "إبر اسطوانات الفونوغراف" لو أمكنهذلك،… وبعدقرابة النصف ساعة عاد ومعه علبتين من الإبروكمية من "خراطيش"السجائر "فيسوروي" وقال: (إنها هدية لك من صديقنا الضابط…) يومها... وفي صراحة لم أنتظرها قال لي المهدوي: (… يعمل الأمريكيون على الأطاحة بالملك إدريس ونظامه وحاولوا كثيراً أن يكتشفوا ضباطاً جادين في الجيشالليبي، فلم يجدوا لا في جماعة "الزاوية"(3) ولا في جماعة "العراق")(4) وأضاف (وطبعاً جماعة "مصر"(5) موالين لعبد العزيز الشلحي ولا يريدون الإقتراب منهم ) … وواصل حديثه داخل سيارته التي أوقفها في شارع " أدريان بلت ـالشـط "وقال: (… وأخيراً… يبدوأنهم "الأمريكان" وجدوا ضالتهم في صغار الضباط… وهم يطلقون عليهم "لابسوا الأحذية السوداء - Black Boots"… قلت: كيف !!؟… قال: (أنت تعرف… وهم يعلمون؛ أن الضباط من رتبة رئيس "نقيب" فما فوق يلبسون في الجيش الليبي أحذية "حمراء" حيث يتحولون إلى ضباط مكاتب وليسوا ضباط ساحات "عرضات" مع الجنود … وميزة هذه الفئة التي اختاروها بدقة وفهم ؛ إنهم… أولاً: صغار السن والطموح يلعب دوراً كبيراً في حياتهم وأفكارهم،… وثانياً: عزّاب… لا يحملون المسئولية… وتدفعهم روح المغامرة للعمل… وثالثاً: والمهم… أنهم ملتصقون يومياً بالجنود وصف الضباط داخل الثكنات والمعسكرات وفي ساحات التدريب، ويمكنهم تعبئتهم داخل مقراتهم، مع التزود بالسلاح والذخيرة … وبالتالي الانطلاق للتنفيذ…).. سكت كلُ ًمنا قليلاً… ثم قلت له: (أنا لم أسمع منك شيئاً يا مصطفى… ولن أطلب منك أسماء ولكن أريد أن أسألك كيف تم التلاقي بين هؤلاء وهؤلاء ؟! وأنت ما هودورك ؟ !... فوراً أجاب: وكأنه ينتظر مني هذا السؤال وقال: (.. أنا ليس لي يد في الإختيار… ولكن دوري سيأتي بعد ذلك… وهوالاتصال مستقبلاً بينهم وبين الأمريكان..)وقال لي وهويدير سيارته عائداً إلى بيتي، وكان قد حل مساء ذلك اليوم من شهر يونيوسنة 1966م: (… أنا مكلف بالسفر إلى الخليج في أغسطس القادم..) وأضاف: (الكويت استقلت في 1963م والبحرين سوف يعلن إستقلالها في العام القادم وسوف تلحقها قطر والإمارات والنفوذ الذي يغطي المنطقة بأكملها سيكون أمريكي 100%.. وفى أغسطس سنة 1966م سافر مصطفى كمال المهدوى وارسل لى ثلاثة كروت بها صور من البلاد التى زارهــــا… واحدة من الكويت واخرى من البحرين وثالثة من "القدس"… وعندما عاد أخبرنى أنه زار القدس الشرقية بالفعل… وهي التابعة لإسرائيل "قبل إجتياح الضفة" وقال انه عالج أسنانه في مستشفى "هداسا" لإسرائيلي. لم يصارحني المهدوي ولكن كان لدي يقين "أنا أحس به وهويعلمه" أنه عميل وعميل مباشرللمخابرات المركزية الأمريكية الـ CIA وبدأت ابتعد عنه مع بداية سنة 1967م إثر تحذير جاءني من رئيس الأركان "نوري الصديق " الذي كنت مديراً سابقاً لمكتبه في مدينة البيضاء سنة 1962م، ولذلك استدعاني إليه بشكل ودّي وتحذيره لي بالابتعاد عن المهدوي وكان المهدوي قد نقل أو(انتقل) بناء على طلبه" إلى بنغازي "قاضياً بمحكمة الاستئناف" … كذلك إستدعاني بعد ذلك مدير الأمن العام "إسماعيل التوجري" "الذي كان زميل لي في مدرسة طرابلس الثانوية في أوائل الأربعينيات"، وقال لي: توفرت لدينا معلومات تقول أن لك صلة بمصطفىكمال المهدوي،… وأجبته على الفور: صحيح… وقطعت علاقتي معه لأنه يعمل لصالح المخابرات الأمريكية، قال : علمت من مصادرنا التي تراقبه أنه يزورك قلت: زوجته تزور زوجتي بحكم قرابة النسب (فزوجته هي شقيقة لزوجة أخي).  قال لي مدير الأمن العام: أنا واثق أنك لست متورطاً معه… ولكن نريد منك الإبتعاد عنه ؛ فهومراقب من جهات عدة وأنت ضابط بالجيش الوطني وعليك مسئوليات يجب مراعاتها.
 
منذ ذلك الوقت أدركت أكثر وزاد يقيني بأهمية مصطفى كمال المهدوي بالنسبة للمخابرات المركزية الأمريكية CIA في ليبيا، ولم تزعجه الرقابة التي كان يخضع لها من الأمن العام "البوليس" ومن إستخبارات الجيش وأيضاً المخابرات الإنجليزية الحليفة للعقيد عبد العزيزالشلحي في البلاد،ولم يتوقف المهدوي عن الدور المناط به وتكليفاته في مدينة بنغازي… ففي أواخر شهر فبراير وأوائل مارس من سنة 1969م .. وأنا أذكر هذا التاريخ وواقعته لارتباطه لدىّ بالحفل الذي أحيته السيدة "أم كلثوم" يوم 12 مارس في سرادق أعد لذلك بالملعب البلدي في بنغازي ففي هذا اليوم المعني، كنت قد جلست بالمقهى التجارى الكائن بشارع الإستقلال "جمال عبد الناصر حاليا" طلبا للراحة من فشل محاولات كثيرة بذلتها بمقر البريد للإتصال بزوجتى الموجودة بالاسكندرية،.. وإذا بالمستشار السيد مصطفى كمال المهدوي يربت على كتفى وبيــده عصاة لعبة " البليارد " وعرفت منه أنه يقضى فراغات يومه من بعد عصر أكثر أيام الأسبوع في هذا المقهى مع أصدقاء له؛ قدّم بعضهم لى... وكان منهم شخص ايطالى عرفت فيما بعد أنه أستاذ اللغة الإيطالية بكلية الآداب بالجامعة الليبية الكائنة على بعد أمتار قليلة في ذلك الوقت من المقهى التجاري…
 
هذا... وسألني المهدوي؛ ما بك؟… وقد لاحظ على سحنتي الكدر؛ وأجبته؛ بأني قلق على زوجتى الموجودة بالإسكندرية… وفشل محاولاتي للاتصال بها هاتفياً… ربت على كتفي وهويبتسم وقال تعال معى وسأجعلك تكلم زوجتك… هات رقم التليفون.. وبسيارته أخترق شوارع المدينةإلى "معسكر قاريونس" حيث مكّنني المهد وى من الاتصال بالإسكندرية وتحدثت كما شاء لي من الوقت بعد ان قدمّني وقدّم لي ضابطين من صغار ضباط المعسكر بقسم المخابرة بالجيش الليبي… لم اكن أعرفهم حينذاك)).
 
* * *
 
وسواء صح ما قيل أودفع البعض بعدم صحته وإنكاره؛ فإننا أمام ضرورة موضوعية تلزمنا بمتابعة البحث فى هذه الوقائع ونتائجها و(توابع نتائجها) التي ما زال الكثير منها يثير علامات الاستفهام والتعجب؛ ويدور بشأنها الجدل حتى الآن؛ فقد برزت ظواهر استعصت آنذاك على الفهم والتفسير.. ونجحت قوي التعتيم في تجهيل الليبيين بما حدث فى بلادهم،.. وكانت عملية تغيير النظام في ليبيا تجري بصورة فوقية وغامضة وإن بدت بعض مظاهر هذه العملية مكشوفة من بعض أطراف المعادلة وفي إجماع النخب السياسية والثقافية التي استجابت لمتطلبات المرحلة ومظاهرها دون أن تعوّل على آلياتها الفكرية والسياسية البديلة ؛ وأوكلت للمؤسسة العسكرية مهمة إسقاط النظام الملكى الذي كانت تتنازع دوائره وقواته المسلّحة اتجاهان متناقضان يرتكزان على الاستقواء بالخارج؛ فمن جهة كانت الحكومة البريطانية تدعم إنقلاب القصر الذي يعد له (آل الشلحي) وأعوانهم بواسطة كبار ضباط القوات المسلحة بقيادة العقيد عبد العزيز الشلحي،.. ومن جهة أخرى كانت الولايات المتحدة الأميريكية تراقب تحركات واستعدادات الشلحى وتدفع بأجهزتها وعناصرها لدعم البديل العسكري المناهض لآل الشلحي والأنجليز داخل القوات المسلحة.
 
وكانت عناصر القوى الديمقراطية لمنظمات المجتمع المدني والقوى السياسية لحركة التحررالوطني تدفع بعناصرها لتحتل مكانة لها وتلعب دورها في إقامة نظام وطني ديمقراطي يحقق أهدافها السياسية وطموحاتها الوطنية والقومية،… وفي هذا السياق رصدت الاستخبارات العسكرية وأجهزة الأمن العام مع العقيد عبد العزيز الشلحي تحركات مجموعة من صغار ضباط الجيش التي كانت في مجموعها المرصود تنتمي الي حركة الضباط الأحرار وتعد للقيام بعملية انقلاب عسكري ليلة 23/24 من شهر مارس ـــ آذار سنة 1969م غيرأن ريبة قيادات الجيش والأمن العسكرى في تحركاتهم وكذلك قرار قيادة الأركان بإبعاد ثلاثة وعشرون ضابطاً منهم في بعثات تدريبيه وتعليمية إلى بريطانيا ؛أوجب تأجيل التحرك إلي وقت أخر...(6)
 
وكان الملازم أول "معمر القذافي" قد تلقى تنبيهاً بتوخي حذر الرقابة الراصدة لتحركاته؛ ورفاقه من صغار الضباط، وأن هناك تدابير صدرت باتخاذها أوامر عسكرية عليا تستهدف كشف ما وراء تحركاتهم المشبوهة ولقاءاتهم المثيرة للشك وأن هناك إجراءات تُتخذ بقصد إبعاد عديد منهم عن معسكرات ومراكز قيادات الجيش… وفي ليلة 12 مارس ــ آذار كانت السيدة (أم كلثوم) تُحيّ حفل لها بدعوة من السيد عبد الله عابد السنوسي ــ ابن عم الملك إدريس وأحد أصدقاء وشركاء السيد عُمر الشلحي، وكان عديد من ضباط الشرطة والجيش قد تسلّم بطاقات دعوة (مدفوعة الرسم) لحضور الحفل، وكان منهم المقدم "نصر الدين هامان" مدير الاستخبارات العسكرية آنذاك الذي تلقى أثناء حضوره الحفل في تلك الليلة "إشارة" مفادها؛ (أن "جماعة سرت" يعقدون اجتماعاً لهم الآن… وهم تحت المراقبة،… وفي انتظار تعليماتكم..) وعلى الفور قام هامان بتكليف الرائد "أحمد أبوغولة" بتشديد الرقابة وإتخاذ التدابير اللازمة لإيقاف أية تحركات مشبوهة تصدر عن هؤلاء الضباط،… وخلافاً لما كان ينتظر في مثل هذه الحال ذهب أبوغولة إلي جماعة الضباط الأحرار المجتمعين في تلك الليلة؛ وحذرهم من تدابير تُعد لها القيادات الأمنية والعسكرية التي تراقب تحركاتهم الجماعية والفردية داخل معسكرات الجيش وخارجها وتسلسلت الأحداث بخفاياها وخباياها من شهر مارس ــ آذار إلي ليلة 31 أغسطس ــ آب / 1 سبتمبر ــ أيلول سنة 1969م على الوجه الذى سـنتناوله فى الحلقة القادمة: (إنقلاب ستمبر: خفايا الإعداد وشبهات الإستعداد).
 
إبراهيم عمّيـش
 

(1) راجع: مصطفى بن حليم: كتاب (إنبعاث أمة... وسقوط دولة) عن دار الجمل المانيا 2002م
(2) * تجدر هنا الإشارة والتنبيه إلى انه عندما أشتدت أزمة العلاقات الليبية الأمريكية، وبعد تصاعد أزمة حادث إسقاط
 الطائرة الأمريكية فوق لوكربى بعث القذافى بموفديه الى السيد مصطفى بن حليم يطلب منه توظيف علاقاته بالولايات المتحدة لخدمة بلاده والتظام فى ليبيا بالتوسط فى ايجاد حلول للأزمة وفتح باب التفاوض المباشر للوصول قواعد ترضى جميع الأطراف وتحفظ مصالح كل منها لدى الأخر. وقد تولى السيد بن حليم المهمة الى ان تسلمها الأمير السعودى (بندر بن سلطان) وتسلم كامل ملف لوطكربى.. وسوف نتناول فى الجزء الثانى من هذا الكتاب تفاصيل كل ذلك وخفاياها.
 
(3) * المستشار مصطفى كمال المهدوى هوالقاضى بالقسم الفنى بالمحكمة العليا سابق، واحد اصدقاء السيد مصطفى بن حليم وقريب له (من جهة والدته) كان قد تخرج فى كلية الحقوق بجامعة الإسكندرية سنة 1959م وعُرف من بعد انقلاب سبتمبر بأنه أحد المستشارين للعقيد القذافى... كما تولى منصب النائب العام سنة 1975م.
 
(4) يقصد بجماعة الزاوية: الضباط الذين تخرجوفى الكلية العسكرية الليية بالزاوية.
 
(5) ويقصد بجماعة العراق: الضباط الذين تخرجوفى دفعات الكلية العسكرية العراقية.
 
(6) ويقصد بجماعة مصر: الضباط الذين تخرجوفى الكلية العسكرية المصرية، ومنهم العقيد عبد العزيز الشلحى
(7) راجع: فتحى الدين، كتاب (عبد الناصر وثورة ليبيا) عن دار المستقبل العربى – القاهرة 1986م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق