النقابات كانت دائما من منظمات المجتمع المدني السباقة، التي لها باع عريق في دعم الحقوق والترصد للجور والذود عن المظلوم، وكانت دائما تتحلى بقيادات أقل ما توصف به أنها متفانية في نكران الذات، والعمل النقابي لن يكون فاعلا إلا بتوفر مثل هذه الخصائص والخصال. والتاريخ المعاصر يروي حكايات وملاحم بطولية عن الصراع النقابي وسِير النقابيين الأشاوس في الحد من سطوة حب التملك والاستحواذ والجشع واستبداد القرار. والعمل النقابي جسَّدَ قيما مثل التضامن والتعاضد والتكافل والتضحية بين أعضاء الكيان الواحد وما بَوْنه. وبيان اتحاد النقابات العالمي في 25 فبراير 2011 حول الشأن الليبي وتنديده بجرم الطاغية ومناداته، حسب ما ورد في البيان، "بوقف حمام الدم فورا"، يترجم مدى التفاعل النقابي مع حقوق الإنسان أينما كان وفي أي زمان.
عبر سنوات الظلم والتعسف والاضطهاد تحت وطأة جبروت النظام المنهار، أُسرت الحركة النقابية في ليبيا، وعُرِّضت للطمس والتشويه، وغُربت عن مسارها وحرفت أهدافها، بل أضحت طوطما في تركيبة غريبة الأطوار أطلق عليها زيفا وبهتانا "سلطة الشعب". تقوقع العمل النقابي داخل هذه الصدفة الهلامية وبقيت النقابات كما وصفها البعض "...إنها عناوين طويلة جوفاء لهياكل صماء".
بفضل ثورة فبراير المجيدة سحب المجلس الوطني الانتقالي البساط القانوني لكل مكونات النظام المنهار ومن ضمنها النقابات، وهذا بالطبع مشروع ومُثمن، لاسيما بعد أن تدارك الأمر واستثنى النقابات من الحضر، بل وأقر استمراريتها تحت لجان تسييرية إلى حين. النقابات كمؤسسات للعمل المدني ضرورة حتمية لاسيما في هذا المنعطف التاريخي المهم الذي تمر به البلاد، فيجب العمل على الإسراع بشرعيتها وإصدار القرارات لتمكينها من ممارسة نشاطاتها، وإذكاء الروح التنظيمية داخل المؤسسات.
استشرى في البلاد حمى المطالب المشروعة وغير المشروعة، المنطقية وغير المنطقية، ومنها المعقولة وغير المعقولة بين منتسبي القطاعات الاقتصادية والخدمية، وهذه نتيجة طبيعية إن لم تكن ظاهرة صحية بعد إقصاء للحريات دام لعقود طويلة. ولكن سقوط المؤسسات والهيئات والمصالح في دوامة الاعتصامات والاحتجاجات اليومية التي أحيانا تخرج عن سياقها الديمقراطي إما لعدم الوعي في أسلوب التعبير أو لهيمنة الغوغائيين ومن لهم مآرب مبيتة في ذلك، تثير الفوضى وتوقد الشغب وتعرقل أمن وسلامة الحياة العامة. وهنا يأتي دور النقابة في "عقلنة" صياغة مطالب منتسبيها والتحكم في آلية التعبير عنها حسب خصوصية المكان وتحت الظروف الراهنة، فالإسراع في تهيئة النقابات وتفعيل العمل النقابي سيكون بالتأكيد الداعم الأكبر لاستقرار مؤسسات البلاد، ورفع الإنتاج، ورعاية جنين الديمقراطية في رحم ليبيا الحبيبة.
د. حسني بن زابيه