ما كان بمقدوري أن أفصل بين الأحداث و مسارها الليبي؛ وبين العلاقات القومية لأمتنا العربية وترابطها وامتدادها و خلاصة نتائجها ، ذلك أن القوى الإمبريالية والصهيونية العالمية لم تفصل في أجندة أهدافها ومخططاتها بين أقطارنا العربية،.. فما خططت له ونفذته في قطر هو في واقعه إمتداد وتكامل لما نُفذ أو سينفذ على الأرض مع الأخر؛ وإن تعددت المراحل و أُزمن التنفيذ.
فما حدث في العراق حتى اللحظة لا يمكن وصفه إلا بالخراب والدمار الأمريكي المقصود وليس ذلك بالجديد على ما تعنيه السياسة الأمريكية و ستراتيجيتها في عموم منطقة الشرق الأوسط و شمال أفريقيا منذ أمد بعيد ،و ما عادت تخفي الولايات المتحدة الأمريكية وقد طوّعت النظام الدولي و هيئاته لتنفيذ سياساتها بما يحقق مصالحها ودعم نفوذها وسيطرتها المنفردة لقيادة العالم وما عهادت تقارير أجهزتها الاستخبارية و أمنها القومي تكتفي برصد الاتجاهات أو – التيارات – الحاصلة فى دول العالم و نما تخاطب هذه التقارير في شكليتها العلنية حكومتها ودوائر خارجيتها وهي موجهة بماقصدها إلى شعوبنا وحكوماتها بما يفرض دور الولايات المتحدة الأمريكية في تحديد هذه التيارات ورسم الخريطة لمستقبل هذا العالم، وقد قالها "مايلز كوبلاند" منذ أكثر من ثلاثين عاماً بما كتبه: (لقد أعتادت حكومتنا على احترام استقلال الدول الأفريقية والأسيوية إلى حد كانت تتغاضى في كثير من الأحيان عن سلوك بعضهم الطائش ما دام ذلك لم يمس مصالحنا بسوء. أما إذا كانت نتائج التزامنا بالمبادئ الأخلاقية خسارة مصالحنا وضياعها فأن موقفنا سيكون العكس، ستكون التضحية، بدون شك، على حساب تلك المبادئ الأخلاقية وليست على حساب مصالحنا. وبصراحة أكثر، فعندما كنا نضطر في بعض الأحيان لإزاحة حاكم ما ثبت ان وجوده يقف حجر عثرة في سبيل تنفيذ مخطط لنا في أحد تلك البلدان الأفريقية أو الآسيوية فإننا كنا لا نتردد في اللجوء لمثل هذه التدابير مهما كانت فداحة المخالفات ا لاخلاقية.. ويضيف كوبلاند: (1)(ومن البديهي جداً أن يكون خليفة الحاكم المخلوع على استعداد تام للسير وفق الخط الذي يضمن مصالحنا هناك..).
لم تجد أجهزة المخابرات الأمريكية في عملائها من أصحاب النفوذ ى ليبيا أو المقربين من القصر من يعتمد عليه لقيادة عملية تغيير النظام الملكي المتصدع في سنواته الأخيرة، وكانت الفترة الزمنية الواقعة ما بين 5 يونيو – حزيران سنة 1967م و1 سبتمبر – آيلول سنة 1969م من أهم وأصعب فترات النشاط الاستخباراتي الأمريكي للوصول إلى من تتوافر فيه الشروط اللازمة لقيادة عملية التغييرفى ليبيا قبل ان تتمكن عناصر القوى الوطنية الأخرى المدنية أو العسكرية من الوصول إلى السلطة في غفلة من عناصر و عملاء ال CIA الراصدة لها.
فما هو النشاط الذي قامت به عناصر و عملاء المخابرات الأمريكية في بلادنا ليبيا؟ وما علاقة ذلك بما حدث يوم 31 أغسطس – آب سنة 1969م و قيام حركة الإنقلاب العسكرىفى الأول من سبتمبر بقيادة الملازم أول معمر القذافي؟...
ولأن الشطرالأول من السؤال هوالمدخل الأساسي للبحث عن الجواب في مجموع ما سنتناوله فيما يلي من وقائع وشهادات وكتابات؛ تتسق والمرحلة التاريخية لهذا الجزء من هذا الكتاب "التاريخ السياسي ومستقبل المجتمع المدني في ليبيا" ونكشف بعض أدوار أجهزة الغرب وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية ونستعرض بعض ما تناولته نشاطات بعض عملاء أجهزة الإستخبارات للتدليل بها عن حقيقة حقيقة المؤامرات والدسائس وما حيك ويحاك ضد أمتنا العربية بوجه عام وما اُستهدفت وما زالت تُستهدف به ليبيا منذ وقت بعيد، وإذا ما إنتابنا الشك في صحة ما ورد منهم؛ فهي وفي حّدها الأدنى تكشف الأساليب والحيل التي تلجأ إليها هذه الأجهزة وعملاؤها في التخطيط والتنفيذ لعملياتها القذرة، ونتعرف على بعض جوانب الصراع والتنافس فيما بينها، ولعل في ذلك تكون محاولة لاستيضاح وتحفيز من لديهم حقائق يوثقونها أو معلومات يصححونها تكشف وقائع ما زال محجوراً عليها.
من هنا… تجدر الإشارة إلى أن تنظيم حركة الضباط الأحرار – في مرحلته الأولى ــ وإلى أن قُضي عليه بإبعاد قياداته و إقصاها "كلٌ بما أُسندت إليه من أسباب" كان أحد ثلاثة تنظيمات عسكرية داخل القوات المسلحة الليبية؛ تسعى للقيام بعملية انقلاب عسكري في البلاد وإعلان قيام "الجمهورية العربية الليبية" أو "جمهورية ليبيا العربية".
وبإستثناء العقيد الركن عبد العزيز الشلحي، الذي كان يستعد لقيادة حركة انقلاب "قصر" من خلال قيادته "الآمرة" للقوات المسلحة وبإعتباره رئيس تجمع حركة الرواد والعقداء للسيطرةعلى البلاد وإعلان الجمهورية بمباركة الملك محمد إدريس السنوسي المتنازل عن العرش وحكم البلاد بعلم حكومة واجهزة استخبارات المملكة المتحدة "بريطانيا"… وبإستثناء الملازم أول آنذاك، العقيد فيما بعد؛ معمر القذافي الذي تشير بعض الوقائع والتقارير إلى انه كان على صلة وبيّنة بما كان خفي على تنظيم حركة الضباط الأحرارالذي كان يقوده، وقد أشارت إلى بعض ذلك كتابات ومذكرات وشهادات عناصر ذات صلة وثيقة بأجهزة استخبارات غربية.
واتساقاً مع المرحلة التي نتناول الحديث عنها في هذا الجزء؛ آثرنا أن يكون مدخلنا إلى دراستها والبحث فيها ومن ثم التوثيق لها بما تناوله السيد مصطفى بن حليم في كتابه "ليبيا: إنبعاث امة وسقوط دولة"؛ وهو مصطفي أحمد بن حليم أحد أهم أصدقاء وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في الشرق الأوسط وصاحب شركة "ليبكو" للخدمات والإنشاءات النفطية في ليبيا وأحد شركاء شركة "بيكتيل" الأمريكية، وهو رئيس مجلس إدارة مصرف "شمال أفريقيا "الذي أسسه بالاشتراك مع بنك "مورجان جارانتي" الأمريكي والبنك "البريطاني للشرق الأوسط" الذي قال: (... مخابرات دول غربية كثيرة كانت تشعر بوجود تحركات انقلابية متعددة داخل الجيش الليبي ولكنها معلومات مُحاطة بسُحب كثيفة من الغموض، ولقد قامت بعض تلك المخابرات بتحذير الحكومة الليبية التي
شكرت وأكدت سابق علمها و استخفافها بتلك التحركات)...
ثم صاغ السيد بن حليم سؤاله التالي: (… هل من علاقة أو تنسيق بين بريطانيا و أمريكا من جهة و حركة الضباط الأحرار من جهة أخرى؟.. وأجاب السيد بن حليم بأنه قد أجرى العديد من المقابلات مع كبار المسئولين الغربيين بصفة عامة قبل الانقلاب وبتركيز وإلحاح بعد الانقلاب، ويقول:(في الأشهرالقليلةالسابقة للانقلاب بذلت مساعي لدى كل من السفير الأمريكي "ديفيد نيوسوم" والبريطاني "سير رودريك ساريل" وأقنعت كلا منهما على انفراد أن مصلحة وطني ووطنيهما تستدعي بذل النصائح الصادقة للملك بتنبيهه إلى المخاطر الداخلية المحدقة وما أضحى نقداً علنيا واتهامات خطيرة يتحدث بها الشعب ضد النظام بل ضد الملك نفسه، ونُصحه بأن يوقف الفساد ويحقق ما وعد به شعبه في رسالاته العديدة، وفهمت من كليهما ان الملك تجاوب مع نصائحهما إلى أن جاء ذكر فساد آل الشلحي فتبدّل الملك وقال للسفير "نيوسوم": لا تصدق ما يُقال عن ابنا عن أبناء إبراهيم الشلحي فكل ما يتهمونهم به كذب سببه الحسد) (2)
ولأن إجابة بن حليم لم تكن مباشرة أو واضحة في مقاصدها عن سؤاله، غير ان ظاهر مساعيه – التي أشار إليها قبل الانقلاب – لدى السفير الأمريكي "ديفيد نيوسوم" كانت بناءعلى طلبه للتنبيه على الملك بما يعتزم آل الشلحي القيام به من خلال القوات المسلحة بقيادة العقيد عبد العزيز. و لأن السفارة والمخابرات البريطانية على بيّنه و علم فإن الذي استجاب لطلب بن حليم كان هو الجانب الأمريكي ؛ ذلك ان عمر الشلحي (شقيق عبد العزيز) هو المنافس الوحيد والرئيسى للسيد بن حليم بما تدفعه شركات النفط العالمية من عمولات لتسهيل حصولها على حقوق امتياز وإنشاء خطوط إمدادات النفط، ووصول آل الشلحي إلى قمة السلطة في ليبيا يعني إقصاء لـ بن حليم و تحجيم اعماله ونشاطاته الأمريكية، وفي حقيقتها المعنية من بن حليم للاستخبارات الأمريكية كان تحذير مما قد يصيب مصالح الشركات الأمريكية فيما لو كان السبق لآل الشلحي بالاستيلاء على مقاليد السلطة في ليبيا، ولذلك لم يشير بن حليم إلى أي استجابة بريطانية لطلبه، ولم تكن استجابة السفير الأمريكي "ديفيد نوسوم" ومعه رئيس مكتب ال CIA في ليبيا سكرتير أول السفارة الأمريكية في طرابلس "أرثر كلوز" ومقابلتهم للملك، إلا محاولة لإقناع الملك بالعدول عن استقالته و تسليم البلاد لآل الشلحي.
ولأن رد فعل الملك كان تحصيل حاصل يتوقعه بن حليم من الملك الواثق في آل الشلحي فإن مساعي بن حليم لدى المخابرات الأمريكية في أغسطس 1969م لم تكن في حقيقتها غيرطلب سرعة التحرك الأمريكي والتعجيل بسبق استيلاء قوى مواليه للأمريكان على السلطة في البلاد. ولأنه أحد عناصر شبكة المصالح الأمريكية في ليبيا؛ لم يتناول بن حليم (منشط) شركات النفط ووكالة الاستخبارات الأمريكية في ليبيا قبل انقلاب سبتمبر – ايلول 1969م، كما لم يصحح السيد بن حليم أو يرد، أو حتى يشير فيما كتبه إلى ماتناولته كتابات وتصريحات بعض مما نشرته عناصرمن الاستخبارات وشركات النفط الأمريكية عن دوره الشخصي فيما كان يجري في البلاد قبل سبتمبر 1969م وهي التى أبرزت طبيعة العلاقات التي تربط السيد مصطفى بن حليم بأجهزة ال CIA والخارجية الأمريكية، ثم كيف يمكننا أن نفسر موقف بن حليم من الملك إدريس الذي بعث إليه مع صديقهما المشترك المهندس الشيخ خطّاب محمد في شتاء سنة 1968م يرجوه أن يمد له يده وينتشل معه البلاد من الكارثة المقدمة عليها.
وقد وصف بن حليم حال الملك والبلاد من خلال هذه الواقعة بقوله: (... في شتاء سنة 1968م، بعد تولي السيد ونيس القذافي "أخر رئيس حكومة ملكية" رئاسة الحكومة زارني خطّاب بك و تناول طعام الغداء معي ثم غادرني إلى طبرق لزيارة الملك، وبعد أيام قليلة اتصل بي من طبرق هامساً في الهاتف أنه يود ان يقابلني في بنغازي غداً مساء ليتحدث معي في أمر غاية في الأهمية، ورجائي أن يكون اجتماعنا على انفراد بعيداً عن الأنظار…)
وبلغته ووصفه في كتابه يضيف بن حليم: (… وبرغم استغرابي لطلب صديقي خطّاب فإنني رأيت أن أحترم رغبته وألبي طلبه ، فسافرت إلى بنغازي واجتمعت به على انفراد في منزل أخي المرحوم عبد المنعم)... ويكمل بن حليم: (... بدأ خطّاب بك حديثه شارحاً أنه لم يتعود أن يتحدث مع الملك إدريس في أية مواضيع سياسية لأن علاقتهما كانت علاقة صداقة روحية صوفية لا تمت للسياسة ولا للمادّيات بأية صلة، غير انه صُدم في زيارته الأخيرة إذ وجد الملك إدريس في حالة نفسية سيئة للغاية وفهم منه أنه يستعد للرحيل من البلاد و الذهاب إلى المدينة المنورة مجاوراً رسول الله "صلى الله عليه وسلم". ولذلك فقد شعر خطّاب بك أن واجبه الديني يفرض عليه أن يسأل الملك إدريس عن أسباب يأسه و قنوطه و يلفت نظره إلى أن مغادرته البلاد بهذه الطريقة هو عمل خطير يعرض وطنه لكارثةُ محققة ).(3)
ووصف خطّاب حال الملك للسيد بن حليم بأنه: يائس من جدوى حكم البلد بعد أن ابتعد عنه الرجال الأكفاء المخلصين وأن الملك إنتهى إلى القول: "لقد أصبحت وحدي أواجه مشاكل سياسية لا قبل لي بها في سن متقدم وإنصرف عنّي رجال الوطن الأكفّاء المخلصون، ورغبت أن "أستقيل" وأتخلص من الحكم وأوزاره.. يقول بن حليم أن السيد خطّاب طلب من الملك الهدوء والترويّ قبل أن يسأله: من هم الليبيون الذين دعوتهم و رفضوا نداءك؟… أجاب الملك: (دعوت خالد القرقني لأوليه رئاسة الديوان ومنصب مستشاري الأول ليعاونني على أعباء الحكم كما عاون المرحوم الملك عبد العزيز آل سعود وأبناءه من بعده خصوصاً الملك فيصل، ولكن خالداً إعتذر وأبدى الكثير من الأسباب ودعوت فاضل بن زكري لتولي رئاسة الحكومة ولكنه إعتذر لمرض في قلبه)… ثم يضيف خطّاب راوياً لـ بن حليم: (... ثم سكت الملك قليلاً و أستأنف جديثه ولكن هذه المرة في ألم ظاهر، فقال: أما صديقك مصطفى بن حليم فقد أعتذر عدة مرات…)
وأضاف الملك قائلاً لخطّاب: (فماذا تراني فاعل بعد هذا؟… أليس الأفضل لي أن أستقيل أنا الأخر لأتخلص من وزر الحكم والسياسة وأصون ديني وأسمي وتاريخي…؟…" ويضيف خطّاب مخاطباً بن حليم: (... إندفعت في حديث طويل لأجعل الملك يقلع عن أفكاره العجيبة وإنتهيت بحديثي إلى سؤاله: (اذا لو أقنعت بن حليم الآن أن يتعاون معك؟) قال الملك: (بل أحضره معك). وينهي خطّاب حديثه مع بن حليم بقوله: (ولهذا تحدثت إليك يا صديقي مصطفى من طبرق وطلبت منك ان تحضر إلى بنغازي لأضعك في هذه الصورة الخطيرة التي شرحتها، ولكي ترى الكارثة التي قد تحل بوطنك، لو لا قدر الله استقال الملك وغادر البلاد وترككم في دوامة سياسية خطيرة، فهل تقبل يا صديقي ان تعاون مليكك في حكم بلدك وتعيد لسيدي إدريس ثقته في نفسه و رجاله و تعينه على الخروج من هذه المحنة الوطنية و تجنب وطنك كارثة محققة؟)… وقال: (لا أظنك يا أخي تتأخر عن واجبك الديني و واجبك الوطني، لذلك يجب عليك ان تلبي دعوة الملك، وتتعاون معه و ترافقني غداً إلى طبرق… ) (4)
رفض السيد مصطفى بن حليم نداء الملك إدريس إليه… ولم يكن هناك تفسير غير أن بن حليم كان يريد إبعاد آل الشلحي بالكامل حتى و لو ذهب معهم الملك إدريس نفسه والنظام الملكي برمته ... ففي أغسطس 1969م، وقبل قيام الإنقلاب وسقوط الملكية بأيام قليلة؛ يترك بن حليم زوجته وأولاده ويقطع أجازته التي أعتاد أن يقضيها في شهر أغسطس من كل عام في سويسرا ويعود إلى ليبيا ليجري اتصالات سريعة و مكثفة يستطلع فيها الأمر حول ما ذاع صيته من معلومات تؤكد أن البلاد مقبلة على حدث هام تصنعه القوات المسلحة الليبية، وأن الملك يغادر البلاد بشكل نهائي وبرغبته والحاحه… والأكثر من ذلك يقيناً بما سيحدث: تسرّب الخبر الذي يفيد أن تجمع العقداء والرواد بقيادة عبد العزيز الشلحي قد حدد يوم الخامس من سبتمبر – أيلول الجاري موعداً للتحرك وإعلان تغيير النظام الملكي ببيان إعلان قيام الجمهورية، وهذا ما صرح به فيما بعد العقيد معمر القذافي وأعضاء مجلس قيادة الثورة من أن معلومات قد وصلت إليهم؛ بأن مشروع انقلاب عسكري بقيادة الركن عبد العزيز الشلحي سوف يتحرك فجر الخامس من سبتمبر، وعليه صدرت الأوامر لحركة الضباط الأحرار بالاستعداد للتحرك والقيام بعملية الانقلاب العسكري فجر الأول من سبتمبر موظفين كافة التدابير والتيسيرات الأمنية والعسكرية المعدة من قبل جماعة الشلحي بما في ذلك تأمين شل حركة "قوة دفاع برقة" وخلو معسكراتها من قواتها التي كانت قد صدرت الأوامر بتسريحها في أجازه تمتد إلى ما بعد 10 سبتمبر، ورجع السيد مصطفى بن حليم إلى منتجعه في سويسرا على أمل أن تلعب الأجهزة الأمريكية المعنية دوراً يستبق الموالون لهم به آل الشلحي بالسيطرة على البلاد و إعلان سقوط الملكية.
* * *
Friends In High Places (5) The Bechtel Story
أصدقاؤنا في المواقع الهامة : كتاب أصدره الصحفي في "الواشنطن بوست" ليتون ماكرتيني سنة 1988م تناول فيه ؛ كيف كانت البنية الأساسية لمجموعة شركات "بكتل" الأمريكية وعلاقاتها بوكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA و أعمالها و عملائها، و كيف استطاعت بكتل أن تنشر شبكة دولية من العلاقات التي تؤمن مصالح الولايات المتحدة الأمريكية و تدعم مخططاتها السياسية والاقتصادية ، وأيضاً العسكرية.
و لأن مجموعة شركات بكتل "Bechtel" متخصصة في أعمال شركات النفط في ليبيا منذ سنة 1958م؛ عندما قامت بإنشاء خط أنابيب للحكومة الفرنسية؛ فأنها كانت على دراية كافية بالأوضاع في ليبيا و كيفية التعامل مع المسئولين الليبيين وكذا طريقة دفع الـ (baksheesh) يقول ماكرتيني (McCartney) في تحقيقه الصحفي الذي نشره بواسطة الواشنطن بوست ثم ضمّنه كتابه هذا: "Friends in high places": "… عندما قام أرمند هامر "Armand Hammer" بإرسال فريق من مهندسي شركة أوكسيدنـتال إلى ليبـيا للبحث و التـنقيب عن البترول لصالحه ؛ بعـد أول زيـارة قام بها خـلال عام 1961م كعضو ضمن المجموعة الممثلة لـــ "كواسي" للتجارة "quasi official trade" في عهد إدارة الرئيس كندي، وعندما تم العثور على كميات من النفط، وقبل البدء في حفر الآبار؛ أراد هامر أن يؤمن اكتشافاته وذلك بحصوله على ضمانات من الحكومة الليبية، في هذا الوقت ظهر رجل أسباني عُرف بـ "الجنرال" إسمه "بيجولو دي روفين – Pegulu de Rovin" ليعرض على أرماند هامر تسهيل هذه المهام وحصول الأخير على الضمانات التي يريدها نظير دفع مبلغ (400.000) أربعمائة ألف دولار ، توضع ببنك في سويسرا مقدماً، وفي مقابل ذلك يتمكن هامر من تملك حقول البترول أيضاً، وبالفعل قام هامر بتحويل المبلغ المطلوب عن طريق تمويل من بنك الاستثمارات المالية في وول ستريت "A Wall Street Investment Bank" وبالإضافة إلى هذا المبلغ فقد وافق هامر على دفع حصص أخرى لمجموعة من المسئولين الليبيين بقيادة عمر الشلحي الذي أبدى استعداده لتسهيل المأمورية لدى حاشية الملك إدريس و كانت هذه الحصص عبارة عن 3% من سعر بيع كل برميل نفط يقوم هامر بشحنه خارج ليبيا، وأتفق ورفين "الوسيط الأسباني" مع المسئولين الليبيين على عدم ذكر تكلفة قيام المهندسين بالأبحاث في صحراء ليبيا، … وكانت قناة السويس قد أُغلقت بسبب العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956م ؛ الأمر الذي أصبحت معه شحنات الزيت المصدرة من الخليج العربي تتعطل بسبب مرورها عبر رأس الرجاء الصالح و ما تبع ذلك من ارتفاع كبير في تكلفة النقل، وذلك ما دفع بشركات البترول العالمية إلى التنافس الحاد فيما بينها للفوز بشحنات من النفط بتكلفة أرخص من تكلفة الشحنات التي يتم شحنها من الخليج العربي، وبناء على ذلك بدأت شركات البترول في التقاطر على ليبيا،… وكانت إحدى هذه الشركات هي شركة ؛ ستاندرد أويل نيو جيرسي "إســـو" والتي كانت قد تعاونت مع مؤسسة بكتل لإنشاء خط أنابيب بطول 130 ميل من حقولها في زلطن إلى ميناء مرسى بريقا على شاطئ البحر الأبيض.
و يضيف "ماكرتيني" في الجزء الخاص بنشاط شركة "بكتل" الأمريكية في ليبيا من كتابه "Friends in high places – the Bechtel story" يقول: (عندما وصل جيري كومس Jerry Komes"" نائب رئيس شركة (IBI) إلى طرابلس للحصول على تعاقدات ؛ تم إخباره بأنه لا توجد تعاقدات في ليبيا إلا بعد "تنظيمات خاصة - Special arrangements " واتفاقات تتم مع السيد مصطفى بن حليم – الذي كان ناظراً للأشغال العامة في ولاية برقة - … و كان بن حليم حريص على اقتسام نصيبه مع اتباع القصر و المقربين الذين ساعدوه ليصبح رئيساً للوزراء سنة 1954م،… وبحكم موقعه قام بن حليم بتقسيم ليبيا إلى 12 قطاع بالنسبة لعمليات البحث، وأعطى حق الأمتياز لمجموعة شركات منها الكبرى مثل "إســو" والأصغر مثل "أُكسيدنيتال"،… وبهذه الطريقة أمكن لحليم حفظ التوازن في اللعب على هذه الشركات، وبزيادة عدد الشركات التي كانت تزيد الفائدة لــ بن حليم، ليس فقط في مساومة الشركات له للحصول على حقوق الامتياز، ولكن أيضاً في إلغاء إمتيازات الشركات التي تتقاعس عن الدفع سواء له هو شخصياً أو لشركاته الليبية التي تدار بمعرفته.
وطبقاً لوصف مدير سابق لشركة "بكتل" يقول ماكرتيني "McCartney": (وحسب إتفاق قائم مع بن حليم: تقوم بكتل بدفع مبلغ 10% من صافي الربح لـ "الشركة الليبية للهندسة و الإنشاءات – ليبكو – LIBACO" وذلك بالنسبة لجميع المشاريع،… ) (6) و يضيف ماكرتيني: (وطبقاً لتقارير المخابرات المركزية (CIA) فإن هذه المبالغ الخاصة بــ "ليبكو" كانت تدفع في لندن و توضع في حساب خاص تحت إشراف بن حليم الذي ترك رئاسة الوزراء و أصبح شريكا في مؤسسة بكتل إلى جانب ملكيته للشركة الليبية للهندسة والإنشاءات "ليبكو"… وأصبح بن حليم الوسيط الرئيسي لشركات البترول مهما كانت مشاكل هذه الشركات؛ ابتداء من الخدمات والإنشاءات الهندسية أو عمليات تصدير البترول إلى بناء معامل التكرير وإنشاء الطرق وذلك عن طريق مؤسسة بكتل المهيمنة بالإشراف على هذه الشركات،… وضماناً لحصول بن حليم وبعض رجال الأعمال المحليين على أنصبتهم؛ كانت تحصل بكتل على 18% من حجم التعاملات دون التعرض للتعامل مع ليبكو أو أي مؤسسة محلية أخرى،… وفي الحقيقة كانت هذه الشركات سعيدة بهذا و تقوم بالدفع بيسر…).
في مطلع شهر ديسمبر 1966م و فيما كانت "بكتل" على علم بعمليات "أرمند هامر" في ليبيا؛ كان عقد خط أنابيب "أُوكسيدنيتال" على وشك الانتقال إلى مقاول أمريكي أخر يدعى "أخوان وليامز- William Brothers" غير أن الاتفاق لم يكن وُّقع بعد ، لأن هامر كان يبحث عن ممول لنقص السيولة لديه،… لذلك قرر ستيف الابن التعامل مع هامر… واختار أحد المسئولين في بكتل وهو "لافائيل دورمان -Raphael Dorman" للتوجه إلى باريس حيث كان هامر يقضي بعض الوقت لإتمام بعض عملياته في أوروبا… و أثناء مقابلة دورمان لهامر بجناحه بفندق جورج الخامس؛ قام دورمان بتقديم إقتراح كان من الصعب على هامر أن يرفضه و هو أن تقوم "بكتل" ببناء خط الأنابيب التابع لأُكسيدنتال نظير مبلغ (49 مليون دولار "cash" + مكافأة تشغيل) و كان هذا العرض بالنسبة لهامر عبارة عن مقامرة؛ إذ أن أُكسيدنتال لم تكن تملك في ذلك الوقت كل ذلك المبلغ نقداً،… ولكن بالإضافة إلى هذا عرض بكتل استعدادها وموافقتها على تأجيل الدفع لحين الإنتهاء من إنشاء الخط وقيام أُكسيدنتال بضخ البترول من خلاله،… أتفق الطرفان،… وتمكنت بكتل من الإنتهاء من كافة الأعمال في مدة أحد عشرة شهراً بدلاً من أثنى عشرة شهراً، وبدأت على الفور أُكسيدنتال في ضخ البترول و شحنه في غضون عام 1968م وقد وصل المعدل اليومي إلى ما يقرب من 500.000 برميل ، الأمر الذي أصبحت معه شركة أُكسيدنتال أحدى اكبر عشر شركات بترول في العالم، وفي هذا قال أحد مسئولي بكتل لقد قمنا بعمل مستقبل و ثراء هامر في ليبيا،… وقد كان هامر متفهماً ومسروراً عندما قامت بكتل بتقديم الفاتورة بمبلغ (153 مليون دولار) قيمة إنشاء خط الأنابيب بالإضافة إلى إنشاء وإصلاح توصيلات أخرى لشركته "أُكسيدنتال"… وأيضاً كان مسروراً و لم يعارض في ذلك بن حليم وليبكو حيث كسب الجميع و عملوا ملايين ويكشف الكاتب الصحفي "Alton McCartney" النقاب عن المخالفات التي قامت بها شركة أُكسيدنتال و بعض شركات البترول الأخرى و تأخرها عن سداد التزاماتها بدفع الضرائب المالية و الرسوم الإدارية المقررة عليها للحكومة الليبية، إلى جانب قيامها بسحب و بيع كميات كبيرة من البترول الليبي بسعر يقل عن السعر العالمي بــ 10 إلى 15 %،… ويشير إلى الرسالة "السرّية" التي تلقاها ستيف "بكتل – Steve Junior" من جيري كومس و شركاه (Jerry Komes – IBI) في سان فرانسيسكو يقول له فيها: (… إني مقتنع بأن مشروعنا المشترك مع ليبكو هو الحل الوحيد للعمليات قصيرة المدى؛ لأنه على المدى البعيد يجب ان نخطو خطوات لتأمين أنفسنا، فما من شك أن ليبيا تمر في الوقت الحاضر بحالة من الغليان القابل للأنفجار ، و الذي إن حدث سيسبب ضرراً كبيراً للكثيرين. ثم يضيف ماكرتيني محققاً في وقائع المخالفات التي تقوم بها أُكسيدنتال و قيام شركة بكتل بتجهيز حقول البترول بأجهزة قياس غير معتمدة ، فيقول: (في أغسطس من عام 1969م "قبل حدوث الانقلاب العسكري في ليبيا بأقل من الشهر" توجه كهربائي يدعى "جون ماجوير – John Mauire " كان يعمل لدى بكتل إلى وكيل وزارة شئون البترول في ليبيا السيد "إبراهيم الهنقاري" حيث أعطاه بعض البيانات التي تفيد بان شركة أُكسيدنتال تقوم ببذل أقصى ما يمكنها من جهد لسحب و نقل اكبر قدر ممكن من بترول ليبيا؛… كما قام "ماجوير" هذا بالإبلاغ بصفته من العاملين السابقين بمؤسسة بكتل عن أخطاء بخط الأنابيب الذي تم إنشاؤه لأوكسيدنتال وكذلك بلّغ عن تسرب البترول في معظم وصلات خط الأنابيب و عدم مطابقته للمواصفات الموضوعة لإنشاء مثل هذه الخطوط، إلى جانب رداءة صهاريج التخزين ، … وأبلغ أيضاً عن قيام بكتل بتجهيز حقول البترول بأجهزة قياس غير معتمدة ولم تتم معايرتها،… هذا بالإضافة إلى معدات وأجهزة السلامة لم تكن على المستوى المطلوب،… وضرب ماجوير للهنقاري مثلاً عن ضعف هذه الأجهزة بحادث مقتل أحد الفلسطينيين أثناء قيامه بالعمل في إحدى وصلات خط الأنابيب دون أن يزود بجهاز الكشف عن الغازات، مما أدى إلى إشعال النيران في الجزء الذي كان يقوم بالعمل فيه ووفاته).
ويضيف الكاتب: (… لقد ركّز ماجوير ادعاءاته في قيام كل من بكتل و أوكسيدنتال معاً بتصدير كميات من البترول الليبي دون إثبات كمياتها؛ أي أنها كانت تقوم بسرقة و تهريب النفط من البلاد،… ولأن ماجوير لم يكن يملك المستندات التي تدين كلا من بكتل و أوكسيدنتال فانه إقترح على الهنقاري أن يقوم الليبيون أنفسهم بتفتيش مفاجئ على حقول البترول لضبط القيام بالأعمال المخالفة في الموقع… وطلب جون ماجوير حمايته مما يهدد حياته بالخطر إذ أنه قد أبلغ عن كل هذه المخالفات المشرف المباشر والتابع لشركة بكتل الذي أبلغه بضرورة مغادرة البلاد "ليبيا" وإلا قتل،…).
ثم يقول ماكرتيني: (… وبعد الانتهاء من تسجيل اعترافات ماجوير قام الهنقاري بالتحفظ عليه في أحد فنادق طرابلس إلى ان تم ترحيله إلى إيطاليا في ملابس ضابط ليبي،…). (و يختم ماكرتيني تقريره في هذا الأمر بقوله: (… وقبل أن يتم الهنقاري أعمال التحري و البحث عن المخالفات التي أبلغ عنها ماجوير حدث الانفجار الذي تحدث عنه جيري كومس في رسالته إلى ستيف الأبن؛ وحدث انقلاب الأول من سبتمبر 1969م الذي أطاح بنظام الملك إدريس بقيادة مجموعة من الضباط الشبان على رأسهم ضابط يدعى معمر القذافي.).
ويختم ماكرتيني LATON McCartney الجزء الخاص بليبيا من كتابه Friends in High places بموقف الولايات المتحدة الأمريكية بقوله: (… وبناء على نصائح المخابرات المركزية الأمريكية CIA قام مصطفى بن حليم و كبار المسئولين بالشركات الأمريكية في ليبيا بما فيهم بكتل وأوكسيدنتال بمغادرة البلاد إلى روما بإيطاليا... غير أن المسئولين الأمريكيين سريعاً ما قاموا بطمأنتهم، وبانه لا يوجد أى داع للقلق تجاه قادة الانقلاب حيث إن السفارة الأمريكية في طرابلس قد قامت بإبلاغ واشنطن بأن الانقلاب ممكن ان يكون دعامة في عدم تغلغل الشيوعية في المنطقة و الدول العربية،… كما أفادت السفارة بأن القذافي قد وعد بحماية المصالح الغربية جميعها بما في ذلك استمرار ضخ البترول" (1) ويضيف ماكرتيني: (... وبناء على هذا التأكيد من قبل القذافي فقد عاد مسئولي شركتي بكتل و أوكسيدنتال إلى ليبيا،… و في غضون شهر كانت أطقم كل منها قد عادت إلى العمل.
* * *
لم يقتنع بعض الأصدقاء "المباشرين" وعملاء الحكومة و المخابرات الأمريكية من الليبيين بأنهم كانوا في المرتبة الثانية والثالثة،… وان اهميتهم لا ترقى إلى درجة المراهنة عليهم،… وكانت قد فاقت ثقتهم في الأمريكان كل الحدود، كما كانت أثار الصدمة بالغة الأثر على أنفسهم وعلى بعضهم البعض،… أعتقد البعض منهم أن علاقته بعناصر مخابرات الـCIA أو أصحاب و مدراء شركات النفط الذين يعملون لمصلحة بلادهم و بتوجيهات من مسئولي مكاتب المخابرات والسفارات إلى جانب علاقاتهم بعناصر الخارجية الأمريكية و وزراء الحزب الحاكم (سواء الجمهوري أو الديمقراطي) هم على قمة العلاقات التي تضمن لهم النصيب الأوفر في التمركز على رأس أي تغيير يحدث في البلاد، وأن البلاد لن تُسلم لغيرهم،… ولم يعوا الفرق لدى خبراء الاستخبارات الأمريكية المتنفذين في العمليات السرّية، ما بين العميل الذي يؤدي مهامه الروتينية الخاصة بجمع المعلومات عن الواقع القائم وما يكلف به من مهام تتناسب و حجمه و دوره وما بين من تتوافر فيهم شروط الكفاءة و القيادة لأداء الدور بشروطه التي ذكرها "كوبلاند".. (… إن الشرط اللازم لبقاء أي حاكم في السلطة، واستمرار تقدمه في مجال البناء والإصلاح هو أن يظهر بمظهر يستحيل القول معه أنه صنيعة لنا، وأن يتصرف بطريقة لا تظهر أي انسجام مع أذواقنا وميولنا. وباختصار، فأن مساندتنا لأي زعيم للوصول إلى سدة الحكم و البقاء هناك حتى يحقق لنا بعض المصالح التي نريدها لابد أن ترتطم بالحقيقة القاسية وهي انه لابد له من توجيه بعض الإساءات لنا حتى يتمكن من المحافظة على السلطة و ضمان استمرارها. كما ان هيكل النظام السياسي الذي يتبع ذاك الحاكم لابد أن يكون طبيعياً وفطرياً وغير مصطنع وبالتالي يجب أن يتضمن بعض العناصر التي تضمر عداء لمصالحنا). لذلك نجد فيما تناوله السيد مصطفى بن حليم تناقضات بين موقفه المفرز (من دهشته المتذبذبة بين اليأس والأمل) وبين الموقف (الغامض) للحكومة الأمريكية في الأيام الأولى للانقلاب الذي أطاح بالنظام الملكي و طموحات آلـ الشلحي و الإنجليز في الأول من سبتمبر 1969م في البلاد. فأولويات الحقائق التي ظهرت على ضوء هذه التناقضات يمكن رصدها في المشاهد و الأحداث التالية:
• لأن السيد مصطفى بن حليم و(آخرين) كان على يقين بأن ما وقع في ليبيا لا يمكن أن يحدث بمعزل عن مخططات وترتيبات أمريكية، خاصة وأنهم "الأمريكان" قد تلقوا النصح من بن حليم و الآخرين، إلى جانب التقارير الوافية عن القوى السياسية – العسكرية التي كانت تُعدُ من داخل القوات المسلحة للإطاحة بالنظام الملكي.
• النصح الذي قدمته عناصر المخابرات والسفارة الأمريكية إلى أصدقائها بمغادرة ليبيا قبل الحدث بأقل من أسبوعين، إلى جانب الأوامر التي صدرت إلى كبار الدبلوماسيين ومسئولي الشركات الأمريكية بالانتقال إلى روما إلى حين إشعار أخر.
• قيام الاستخبارات العسكرية الأمريكية بإصدار أوامرها إلى القوات العسكرية التابعة للبـنتاجون في قاعـدة الملاحة "هويلس" في طرابلس بإخراج السيد "يحيى عمر"(7) من البلاد على متن طائرة من سلاح الجو الأمريكي إلى روما يوم حدوث الانقلاب في الفاتح من سبتمبر.
• الإعلان الذي صرح به من روما السفير الأمريكي باعتراف الولايات المتحدة بالتغيير السياسي الذي حدث في ليبيا،… واستقبال وزير الدفاع في حكومة الثورة المقدم آدم الحواز في مساء اليوم الخامس من سبتمبر للسفير الأمريكي في ليبيا "جوزيف بالمر" وطمأنته على مصالح الولايات المتحدة الأمريكية في البلاد…. و: "تمهيداً لإستجابة الولايات المتحدة لمطالب حكومة "الثورة" من المعدات و الأسلحة التي تحتاج إليها ، اتساقاً مع رغبة ليبيا في رفع قدراتها الدفاعية، وبالفعل طرح السفير الأمريكي استعداد بلاده لتقديم المساعدات العسكرية، وكذا إيفاد بعثة عسكرية للتدريب في ليبيا، وعندما استفسر السفير الأمريكي عن الموقف العدائي لبلاده من جانب الثورة والذي تنشره الصحف خاصة بالنسبة للقواعد الأجنبية ، أفاد آدم الحواز ؛ بأن ما ينشر هو الاستهلاك المحلي."
• المعلومات التي أفاد بها السيد "ريتشارد هلمز" الذي كان رئيساً عاماً لجهاز الـ (CIA) عام 1969م؛ وذكرها السيد بن حليم في كتابه؛ التي قال فيها: (... وبإلحاح من الـ (سي آى أيه) حذرت السفارة الأمريكية في طرابلس الحكومة الليبية مراراً من حركات مشبوهة داخل الجيش الليبي؛ وكان رد الحكومة الليبية دائماً بأنها على علم بما يدور داخل الجيش الليبي وطمأنتنا "بأنها حركات صبيانية نراقبها و نتربص بها…"… ويضيف بن حليم: ثم صارحني "هلمز" بأنه بعد انقلاب القذافي بأسابيع تبين للـ "سي آى أيه" أن الانقلاب الليبي اتخذ منحنى خطيراً على مصالح أمريكا وعلى المنطقة عموماً لذلك طلب "هلمز" موعداً مع رئيس الجمهورية "نيكسون" موضحاً كالعادة الموضوع الذي سيطرحه للعرض على الرئيس ليأخذ توجيهاته. و يقول "هلمز": إنه عند ولوجه المكتب البيضاوي وجد أن "ديفيد نيوسوم" وكيل الخارجية المساعد و سفير أمريكا السابق لدى ليبيا و"جوزيف بالمر" السفير الأمريكي لدى ليبيا في ذلك الحين قد استدعاهما الرئيس نيكسون لحضور الاجتماع. ويقول "هلمز": بمجرد أن ذكرت للرئيس أن الانقلاب الليبي يبدو أنه يتخذ اتجاهات خطرة على المصالح الأمريكية… قاطعني نيوسوم وبالمر في نفس واحد قائلين: "يا سيادة الرئيس ليبيا وقع فيها انقلاب و أمامنا 30 سنة من التعاون والتفاهم مع النظام الليبي الجديد…" وانتهى الاجتماع…
• ثم ما يمكن أن نقرأه من وراء الإفادة التي أدلى بها الرئيس الأمريكي "نيكسون" للسيد مصطفى بن حليم عندما قابله في نيويورك يوم 2 يونيو – حزيران سنة 1983م "بعد قيام الثورة بأربعة عشر عاماً" وسأله – أو لآم عليه - متلهفاً كما يقول بن حليم لسماع رده: (... توقف نيكسون للحظات ثم قال : أذكر جيداً اجتماعاً عقدته بناء على التماس "هلمز" رئيس الــ "سي آى إيه" و أذكر أن "نيوسوم" - وقرن إسم نيوسوم بلقب غير لائق - نصحني بإلحاح تجنب إي إجراء ضد الانقلاب، وهذا ما فعلت". وشرح نيكسون قائلاً لبن حليم: (إن علاقة أميريكا بليبيا استمرت عادية اثناء ولايته ثم تحسنت فى عهد " كارتر") (8) ويضيف بن حليم: (ولمح لعلاقة شقيق "كارتر" بالقذافي،… وأخيراً قال "غير أن صديقي" ريغان "لا يطمئن للكولونيل…
التكملة فى الحلقة القادمة (2 اصدقاء وعملاء ال c I a فى ليبيا).....
إبراهيم عمّيـش
(1) راجع: مايلز كولاند "لعبة الأمم" تعريب مروان خير، صادر عن الانترناشيونال سنتر ـ بيروت 1969م.
(2) راجع: مصطفى بن حليم "إنبعاث أمة وسقوط دولة" عن دار الجمل المانيا 2002م.
(3) راجع: مصطفى بن حليم ( صفحات مطوية من تاريخ ليبيا السياسى لندن 1992م.0
(4) راجع: مصدر سابق
(5) راجع: Mc cartney laton " friends in high places " the Bechtel story
Published by simon & Schuster. Lnc USA newyork 1988.
(6) راجع : مصدر سابق
(7) المرحوم السيد يحيى عمر كان ضابط شرطة الى ان استقال سنة 1957م واصبح من كبار رجال اعمال النفط فى ليبيا
وكان الممثل الشخصى والشريك للسيد عمر الشلحى لدى شركات النفط العاملة فى ليبيا، وتعود علاقته بالسيد مصطفى
بن حليم الى العام 1956م عندما تصدى للإضراب الذى قام به عمال الميناء ومقاطعتهم شحن وتفريغ البواخر الأميريكية
فى اعقاب الإعتداء الثلاثى على مصر وقيامه بمصاحبة الملحق العسكرى بالسفارة المصرية وترحيله الى الحدود الليبية
- المصرية بناء على أوامر من رئيس الوزراء مصطفى بن حليم.. ومن بعد خروجه من ليبيا اصبح مستشارا للسلطان
قابوس فى دولة عمان، واستقر به المقام خلال سنوات مرضه فى سويسرا الى ان توفاه الله فى العام 2001
(8) راجع مصدر سابق.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق