الثلاثاء، 20 ديسمبر 2011

إبراهيم سليمان الشريف: خطة المجلس الانتقالي الجهنمية!


إبراهيم سليمان الشريف: خطة المجلس الانتقالي الجهنمية!
إبراهيم محمد طاهربحث
منذ فترة ونحن نعيش على قوت الحيرة والارتباك، نستجدي أجوبةً تكفينا شر الأسئلة التي ابتلينا بها... لماذا يبقى أعوان النظام السابق وأتباعه الأوفياء في مناصبهم؟ لماذا تُقصر الحكومة في أداء مهامها؟ لماذا لا تستجيب الحكومة لمطالب الشعب؟ لماذا... لماذا... لماذا... أسئلة كثيرة تسلب منا الراحة والأمل، وتُقيد خواطرنا بسلاسل التشاؤم...
ولكنني اكتشفت جواباً أراحني... لا أعلم كيف، ولكنني توصلتُ فجأةً إلى التفسير الوحيد المنطقي لكل ما نراه الآن من الحكومة... فأثلج صدري وأراح قلبي!
الجواب هو أن كل ما نراه اليوم من المجلس هو جزء من خطة كبيرة مُعقدة، وهي خطة قد تُثير الحيرة والارتباك؛ فما رأيناه من هذه الخطة إلى الآن يتناقض تماماً مع مبادئ ثورتنا النبيلة، وبه إجحافٌ كبير بحق دماء شهدائنا الأبرار...
1
ونحن نستطيع أن نرى آثار هذه الخطة في كل مكان، فمن أمثلة التصرفات المُحيرة التي يقوم بها المجلس الانتقالي في هذه الخطة: تعيين، أو بالأحرى الاحتفاظ ببعض مجرمي النظام السابق في مناصبهم، وبالتحديد في المجالات المالية والاقتصادية. ومن هؤلاء الأشخاص السيد الصديق عمر الكبير الذي لديه ارتباطات سابقة باللجان الثورية والذي وصل في عهد الطاغية القذافي إلى قمم المناصب الشاهقة... هذا الرجل تم الآن تعيينه مديراً لمصرف ليبيا المركزي (بسبب كفاءاته بلا شك!!!)، وقد بدأ فوراً في خدمة الشعب، فأول إنجازاته في ثورتنا كان إصدار قرار بتعيين نفسه في منصب مصرفي مهم في مجال الاستثمارات الليبية الخارجية (السيد الصديق الكبير يُعيين السيد الصديق الكبير. توقيع السيد الصديق الكبير!!!) ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تضمن نفس القرار تعيين السيد سامي الرايس، مدير مؤسسة سيف القذافي للاستثمار سابقاً، وهو منصب كان يتقاضى عليه 50 ألف دينار شهرياً (مرتب 13 سنة لموظف حكومي مطحون!) وهو بلا شك كان يتلقى هذا المرتب على مجهوداته الجبارة! هؤلاء الأشخاص الذين فتحت لهم خزائن الأرض بعد أن وضعوا ذممهم وشرفهم في أيدي النظام السابق الملطخة بالدماء لا يمكن لأي إنسان عاقل أن يأتمنهم على أمواله... ولكن مجلسنا الموقر قام بتعيينهم وتكليفهم لحاجة في نفس يعقوب!!!
2
وقبل أن أوضح لكم خطة المجلس الجهنمية! اسمحوا لي بذكر مثال آخر، وهو السيد فرحات بن قدارة، أحد أهم رجال اقتصاد نظام القذافي، حيث كان مديراً لمصرف ليبيا المركزي، وعضواً في مجلس إدارة الهيئة الليبية للاستثمار، وفي المصرف الأفريقي (الليبي) للاستثمار، وفي مناصب عديدة في مجالات النفط والغاز والتنمية والاقتصاد... وبالطبع كل هذه المناصب تولاها لبراءته ونزاهته! والسيد فرحات هو أيضاً عضو في مجلس إدارة شركة (يوني كريدي) الإيطالية، وهو يشغل هذا المنصب لأن ليبيا تمتلك نسبة 7.5% من أسهم هذه الشركة، والتي تُشرف على جزء كبير من استثمارات ليبيا في إيطاليا والتي تفوق قيمتها 5 مليار دولار، ناهيك عن كل الحسابات المصرفية والأموال الليبية المودعة في إيطاليا التي يعرف السيد فرحات بن قدارة كل تفاصيلها. واليوم، بعد ثورة الحرية والكرامة، بعد ثورة تطهير البلاد، مازال هذا الرجل يشغل نفس المنصب في تلك الشركة على حساب الشعب الليبي! بعد آلاف الشهداء، مايزال هذا الرجل في موقع قوته السابق! بل لقد تتوجت مجهوداته مؤخراً بإشراكه – بفعالية كبيرة – في الاتفاقيات الاقتصادية التي عقدها مجلسنا البريء مع إيطاليا. وفوق هذا كله، فإن السيد فرحات بن قدارة لم يقتصر عمله مع النظام السابق على المجال الاقتصادي وحسب، كلا، بل هو أيضاً متخصص في القمع الأمني! فقد كشفت تسجيلات لمكالمات أحد مجرمي النظام السابق الشرسين الطيب الصافي (الشخص الوحيد في العالم الذي ليس له من اسمه نصيب!) كشفت عن اتصال بن قدارة به في بداية الثورة – قبل أن يعلن عن انشقاقه ويظهر بمظهر بطل الثورة المغوار – فنسمعه ينصح الطيب الصافي بتشكيل قوة أمنية مشتركة (بحث جنائي، أمن داخلي، أمن خارجي... وأي جهة دعم آخر...)، ويشدد على أهمية التعامل مع المتظاهرين بسرعة حيث قال: (اللي نلموهم اليوم، بكرة انتريحوا منهم...) مؤكداً أن الحملة تحتاج لتخطيط وتنسيق سريع للتعامل مع الوضع بسرعة قبل أن يخرج عن سيطرتهم حيث أن الثوار كما قال: (كلهم مازالوا يستخدمون الحجارة... وهم فقط مجموعات متناثرة...)!!! بل قد كشفت التسجيلات حديث فرحات بن قدارة مع السفاح الكبير عبدالله السنوسي المقرحي أيضاً، وقد كان السيد فرحات بن قدارة متحمساً لسحق المظاهرات لدرجة أن السفاح عبدالله السنوسي كان يقوم بتهدئته!!! هذا الرجل، ذو المواهب العديدة في السرقة والقمع الأمني، والذي لم يكن يريد للثورة أن تنجح، هذا الرجل ما يزال في منصبه! ما يزال يجلس على كومة من الأموال الليبية، والمجلس الانتقالي المُقدس يسمح له بذلك، بل ويبارك له ذلك، فيمنحه صكوك غفران اقتصادية تتمثل في إشراكه في الاتفاقيات والتعاملات المالية الأخيرة مع إيطاليا!!!
3
لابد أن بعض القراء الأعزاء قد أصيبوا بصدمة قوية الآن... ولعل بعضكم يقولون أن إبقاء هؤلاء المجرمين في مناصبهم هو إما تواطؤٌ إجرامي معهم من قبل المجلس الطاهر، أو غباءٌ لا حدود له! وبصراحة، فقد صُدمت بهذه التصرفات المشبوهة من مجلس قيادة ثورة 17 فبراير، وكدت أن أفقد عقلي – ولعلي فقدته – في سبيل إيجاد تفسير لهذا الأمر...
وهكذا توضحت لي خطة المجلس الانتقالي الجهنمية... مجلس ثورتنا العظيم يترك الكثير من المجرمين في أماكنهم، بل ويقوم بتعيين بعضهم في مناصب جديدة لأنه يريد تطهير ليبيا من كل مجرمي النظام السابق الذين مازالوا يعضون بأنيابهم على ليبيا!!! وهنا تكمن عبقرية الخطة!!! فالمجلس يعيد هؤلاء المجرمين إلى مواقع القوة التي ينهبون فيها ثروات الشعب الليبي لأنه يريدهم أن يرتكبوا المزيد من الجرائم! يريد منهم أن يسرقوا ويغشوا ويكذبوا لكي يتم القبض عليهم بالجرم المشهود!!! بل ربما يشاركهم المجلس في بعض جرائهم، ليس على سبيل المصلحة الشخصية، معاذ الله، ولكن في سياق عملية بوليسية متخفية!!! وليس هذا وحسب، بل إن القرار الحكيم لفضيلة المستشار مصطفى عبدالجليل بالعفو عن أتباع النظام – الذين كان البعض منهم زملاءً له – يأتي أيضاً في سياق هذه الخطة؛ فمن غير المعقول أن نُصدق أن يقوم الشيخ مصطفى حفظه الله بتجاهل دماء شعبنا ودموعه وكأنها لم تكن سيلاً جارفاً أسقط أبشع طغاة العصر؟! من غير المعقول أن يقوم رئيس مجلسنا الوطني ورمز الوحدة الوطنية بتجاهل تضحيات شعبنا ومعاناته فيقوم بالعفو عمن قتلوا أهلنا واغتصبوا نساءنا وسرقوا خيرات بلادنا؟! سيادة رئيس المجلس الانتقالي الموقر لا يمكن أن يفعل ذلك بالشعب الليبي؟! ولكن هذا التصرف يتماشى مع خطة المجلس البديعة، فهم يريدون أن يعفوا عن المجرمين ليُفرجوا عنهم ويتتبعوهم ويراقبوهم ليكتشفوا المزيد من الأسرار المخفية، ولكي يصلوا إلى قادتهم وشركائهم، وبذلك يتمكنون من القبض على عصابات كاملة بدلاً من بضعة مجرمين... أليست هذه خطةً جهنمية؟!
4
نعم إنها خطةٌ عبقرية بكل معنى الكلمة، ودلائل هذه الخطة تبدو واضحةً في كل تصرفات المجلس الانتقالي، ومن بين هذه الدلائل حجز المجلس الانتقالي لحكومة السيد عبدالرحيم الكيب لحمايتها، حيث يقوم المجلس الانتقالي بتقييد الحكومة الوزارية ويتولى هو صلاحياتها، بل وفي بعض الأحيان يغل أيدي بعض الوزراء ويشل تصرفاتهم بشكل استبدادي، ولكن كل ذلك لحماية هذه الحكومة؛ فحكومة السيد الكيب لا يوجد بها أشخاص عملوا مع النظام، والمجلس يريد أن يُحافظ على براءة هذه الحكومة وأن يحميها من عدوى الفساد إلى أن تكتمل خطة المجلس بإعادة كل المجرمين إلى مناصبهم، من أجل التخلص منهم؟!!!
بل حتى نفي سيادة المستشار مصطفى عبدالجليل لشائعة استقالته هو أيضاً جزء من هذه الخطة المُحكمة، وقد كان فضيلة المستشار الصالح مُصيباً حين وصف الخبر بأنه (غير معقول)!!! فسيادة المستشار رضي الله عنه هو من يقوم بتوقيع قرارات تعيين أولئك المجرمين، وهو من يُشرف على تكليف بعضهم، وهو من يمنع حكومة السيد الكيب من ممارسة صلاحياتها بحرية خوفاً عليها من مخالطة المجرمين... فهو إذاً صاحب هذه الخطة ولاعبها الأساسي (صانع الألعاب!)، فلا يمكن أن يتنحى قبل أن تكتمل خطته وتتحرر ليبيا من المجرمين. وقد اعتاد سيادة المستشار على ربط استقالته دائماً بتحريرٍ ما أو انتصارٍ مُعين والذي ما أن يتحقق حتى يجد هذا الرجل المتواضع الطيب أنه مايزالُ مُرغماً على البقاء في منصبه من أجل تحقيق نصر آخر، وفي هذه الحالة فإن نصره القادم سيكون بلا شك اكتمال هذه الخطة العبقرية بالقبض على كل هؤلاء المجرمين الذين أعادهم إلى مناصبهم، وبالتالي يكتمل تحرير المناصب الليبية من الفساد!!!
بل إن كل ما يحدث الآن مما يُثير استياء الشعب يمكننا رده إلى هذه الخطة... فتقاعص الحكومة في تأدية مهامها سببه انشغالهم بتنفيذ هذه الخطة الحاذقة للقبض على كل المجرمين، واستقالة بعض أعضاء الحكومة وانتقاد آخرين للمجلس ما هو إلا تمويه لطمأنت أولئك المجرمين وإشعارهم بالأمان تجاه المجلس، ونقص السيولة المالية وعدم وجود أموال للجرحى وللمصارف سببه استخدام المجلس لهذه الأموال لكي يُغري بها اللصوص والمجرمين فيقبض عليهم متلبسين. بل حتى عدم اتخاذ المجلس الانتقالي لأي خطوات جدية للرد على مطالب الشعب في مظاهرات حركة تصحيح المسار هو أيضاً من تبعات هذه الخطة؛ فالمجلس أصلاً يعمل – بهذه الخطة – على تحقيق مطالب الشعب بمكافحة الفساد والتخلص من أزلام النظام، ولذلك المجلس ليس مُلزماً بالرد على الشعب وإثبات أي شيء له الآن، خاصةً وأن الخطة كما يبدو سرية، ولذلك نصحونا بالصبر، فلعلهم سوف يُفاجئوننا لاحقاً باكتمال الخطة وتحقق كل مطالب الشعب!
5
لقد ارتحت كثيراً عندما توصلت إلى هذا التفسير، فقد تقشعت كل الهموم والهواجس التي كانت تخنقني، وكأنني تناولت بعض المخدرات التي نقلتني من حقيقةٍ بشعة إلى خيالٍ جذاب، نقلتني من شوارع يكتنفها ظلام الواقع المتشائم ويلفها برد الهواجس، إلى حدائق مزهرة بالثقة العمياء ومُشعة بضياء الأمل الساذج المستحيل...
فالحمد لله على هذا المجلس النزيه النبيل، الحمد لله على رئيسه الطاهر النقي ذو الحنكة السياسية البارعة والحكمة القيادية اللامعة، والحمد لله أن مستقبل ليبيا وشعبها آمنٌ في أيدي هؤلاء الرجال النزهاء الذين يحيكون مثل هذه الخطط الجهنمية لحماية الوطن وأهله وثرواته، والذين يُفرغون كل ما في وسعهم لخدمة الوطن بوفاء، فنبذوا المصالح الشخصية، ورفعوا شعار التضحية والإخلاص، فكان نتيجة ذلك الاعتدال والتوفيق، وانطبق عليهم قول الشاعر:
حلموا فما ساءَت لهم شيم      سمحوا فما شحّت لهم مننُ
سلموا فلا زلّت لهم قـدمُ      رشدوا فلا ضلّت لهم سننُ
فالحمد لله الذي جعلهم قدرنا... الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه...
إبراهيم سليمان الشريف

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق