فلتسقط كل المجاملات والعلاقات الشخصية والعائلية والمصلحية والشللية!!
ملاحظات حول إعلان رئيس المجلس الانتقالي بشأن معايير تولي بعض الوظائف والمهام العامة
منذ أيام قليلة، أعلن رئيس المجلس الوطني الانتقالي جملة من المعايير والضوابط بشأن تولي بعض الوظائف والمهام، وجاء هذا الاعلان، كما يبدو، كتعبير عن الاستجابة لبعض المطالب الشعبية التي عبرت عنها الاعتصامات والمظاهرات والاحتجاجات التي عمت مختلف مناطق ومدن البلاد، وهي المطالب التي تعد في حقيقتها، أهدافا رئيسية وأولية لثورة فبراير، كالشفافية والنزاهة والعدالة والتطهير وإبعاد رموز القذافي وأزلامه من أي موقع في البلاد.وتفعيل الجيش والقضاء والإعلام والجامعات الخ.
ولهذا السبب كان من المفروض على المجلس الانتقالي والحكومة الانتقالية القيام بالإجراءات اللازمة والضرورية لتنفيذ تلك المطالب وبصورة تلقائية، ودون الحاجة لأن تثار الجماهير أو أن يفرض عليها سلوك سبيل المطالبة بتنفيذها، لأن ذلك يعتبر واجبا يقع على عاتق المجلس والحكومة، وليس لأي منهما أي سلطة في التحلل من هذا الواجب، ولما لم يقم المجلس أو الحكومة بما يجب عليهما، من التزامات وواجبات في هذا المجال، رأت الجماهير أن تلف نظرهما إلى هذا التقصير وذلك الإخلال بالتزاماتهما، وأن توجه نداء يتضمن وجوب الالتزام والتقيد بتلك المطالب التي حظيت بإجماع كل الليبيين وفي كل المناطق والمدن. فجاء الإعلان الذي صدر عن رئيس المجلبس الانتقالي بشأن وضع بعض المعايير والشروط فيمن يتولى بعض الوظائف والمهام، كتلبية من المجلس واستجابة منه بتنفيذ تلك المطالب. ومع أن هذا الإعلان من المجلس الانتقالي لا يفي بالحد الأدني لمطالب الشعب ولا بإهداف الثورة، حتى في الجزئية المتعلقة بتطهير أجهزة الدولة من عملاء وأزلام القذافي، لكن بعضا من الليبييين، اعتبروا الإعلان رغم ذلك، خطوة أولى في الطريق. وكان المنتظر أن يبادر المجلس والحكومة الانتقالية بتنفيذ بنود ونقاط الإعلان وأن يتم بذلك علنا، أو أن يبين آلية التنفيذ، لا سيما وأن الأمر سهل وواضح ولا تكتنفه أي صعوبة أو استحالة أو حتى ظلم، ذلك لأن من أولى مسببات ثورة فبراير وكما يعلم كل الليبيين، هي تلك الحالة العبثية السرطانية التي كان يمثلها النظام المنهار، وكان من مقتضى سقوطه وتهاويه، أن يسقط معه كل من كان مرتبطا به، من عملاء وأزلام وتبع وجواسيس وقوادين، وهذا هو ما يحتمه المنطق، وتفرضه شرعية الثورة وتقضتيه مرحلة التغيير الجذري الذي يعكس فكر ومبادئ وأهداف ثورة فبراير، والأمر هنا يدخل في بديهيات الأشياء، إذ ليس من العقل في شيء أن يبقى نظام القذافي قائما وسائدا في ظل ثورة فبراير، خاصة فيما يتعلق بعملائه وأزلامه وقواديه وطباليه.
غير أن المجلس الانتقالي لم يتخذ الإجراء المناسب في الوقت المناسب، في شأن تلك الشررذمة المنحطة، وتركها طليقة، حرة التصرف، وكأن شيئا لم يكن، وكأن دماء الشهداء وتضحيات الأحرار، أمر ا عابرا، أو كان الذي تعرض له الليبيون في حقبة القذافي من آلالام والمحن شيء من الماضي!!!! أو صار نسيا منسيا!!!
وإذا كان إعلان رئيس المجلس الانتقالي في هذا الشأن، مشوب بالقصور والغموض، رغم أن الأمر واضح بين لا يحتاج إلى بنود أوتفصيلات أو شروط، فالشعب أراد إسقاط نظام القذافي بكامل مكوناته القمعية والعهرية والغوغائية، وقد فعل ذلك بقوة الإرادة وقوة السلاح، وقدم من التضحيات الجسام ما يفوق الوصف، وإذا كان الأمر هكذا، فإن كل من ارتبط بأي من تلك المكونات، كان مصيره هو السقوط الحتمي من المشهد السياسي والرسمي وبصورة نهائية، وهذه هي إرادة الشعب ومشيئته، فليس من المنطق ولا المعقول في شيء أن يبقى أمثال هؤلاء في مسيرة بناء ليبيا الجديدة ولا في أي مشهد من مشاهدها، لأنهم وبكل بساطة ليسوا أهلا لأي عمل يخدم مصلحة البلاد، فهم جميعا لا يجيدون شيئا في هذا السبيل، ولكنهم كانوا طبالين وداعرين وقتلة، وأن هذا الذي يجيدونه لم يعد قائما الآن، بل صار أمرا محرما ومحظورا، ومن ثم لم تعد لنا حاجة فيما هم له من الأكفاء الماهرين، فكفاءاتهم في العهر والتطبيل والتعذيب والتنكيل،وهذه الكفاءات القذافية قد ولى زمانها وبارت تجارتها، ومن غير اللائق أدبا وذوقا وسياسة ونضالا، أن يستمر بقاء هؤلاء ومهما كانت المبررات أو التعليلات التي تفتقر إلى الصحة والصدق والحقيقة،
هذا من بديهيات الثورة، وهذا أقل شيء يمكن عمله وفاء لدماء الشهداء ونضالات الأحرار والمكافحين طيلة أكثر من أربعة عقو مظلمة. ولهذا رحب بعض الليبيين بإعلان المجلس الانتقالي، رغم ما شابه من نقص وغموض، وباعتباره خطوة أولى تتبعها خطوات... وكنا ننتظر صدور قرارات بإبعاد عملاء وأزلام القذافي من الوظائف والمهام التي شغلوها بناء واستنادا إلى المعايير العهرية والقمعية فقط دون سواها، وآيا كانت طبيعة ونوعية تلك الوظائف والمهام، فالقذافي لم يبخل يوما على قواديه ولا أزلامه، بأي وظيفة ولا بأي منصب حتى لو كانوا دون مستوى الأنعام إدراكا ووعيا وفهما!!!
وإذا كنا استبشرنا خيرا بالقرار الذي أذاعه رئيس المجلس الانتقالي منذ أيام، وتوقعنا أن تكون هناك إجراءات مصاحبة له، تضعه موضع التنفيذ والفعل، لكن الذي فاجئنا وأثار الدهشة بل والغضب لدى كل الأوساط، أن ما صدر عن المجلس بعد ذلك الإعلان، هو نقيض ما أعلن رئيسه عنه، وبصورة سافرة غير مقبولة، فهاهي الأخبار تتناقل عن تعيين رئيس الأمن الداخلي في بنغازي في حقبة القذافي الدموية، رئيسا لهيئة الأمن الوطني!!! وربما الذين أصدروا هذا القرار لا يعرفون وضعية جهاز الأمن الاخلي في نفوس المواطنيين!!! ولا يعرفون أيضا أن هذا الجهاز تحديدا هو من البشاعة والانحطاط والنذالة والخسة بحيث أنه أصبح أكثر رموز النظام بغضا وكراهية، لكثرة ما ارتكبه من تقتيل وتنكيل وتعذيب، وما كان يمارسه من انتهاكات لحقوق الإنسان والمواطن وبصورة وحشية لم تحدث في العهد الإيطالي، بل ولم يتعرض الفلسطبنيون لمثل هذه الانتهاكات وهم تحت الاحتلال الإسرائيلي!!!، غير أن المجلس الانتقالي وحكومته رأوا تكريم ذلك الجهاز البغيض بتعيين رئيسه وتكليفه برئاسة جهاز الأمن القومي.لعل هذا الخبر مكذوبا!!! نتمنى ذلك، وإلا فإن الأمر يتطلب مواجهة وإعادة نظر في كل شيء، لأنه خروج سافر على أهداف ومبادئ الثورة!!! ويتضمن إهانة لدماء الشهداء وتضحيات احرار هذا الوطن!!!
ولكن الخبر الآخر وهو خبر أكدته وسائل الإعلام، و يفيد بقيام المجلس أو الحكومة الانتقالية بتكليف أحد أزلام وعملاء النظام المنهار بملف المحكمة الجنائية الدولية، ويقال أنه هو نفس الشخص الذي كان مكلفا به في السابق، من نظام القذافي ولجانه الثورية!!! ويدعى أحمد الجهاني، وليس لهذا الشخص أي صفة قانونية لتولي مثل هذا الملف، فهو ليس عضوا في إدارة المعاهدات الدولية بوزارة الخارجية!!! وليس عضو في أي هيئة قضائية أو تشريعية!!! كل ما له من صفة أنه كان عميلا من عملاء النظام، وقد انهار هذا النظام وسقط، ومن ثم يجب أن يسقط معه عملائه وأزلامه. فكيف يستمر هذا السخف وذاك العبث؟؟؟؟؟؟؟ بضاف إلى ذلك أن هذا الشخص هو نفسه الذي زرعته حركة اللجان الثورية في جامعة بنغازي، رغم أن هذا الزرع كان مخالفا للنظم والأخلاق والأداب الجامعية التي كانت سائدة قبل ظهور تلك العصابات المنحطة وهيمنتها على مقاليد الأمور في الجامعات!! حتى جردتها من طبيعتها العلمية وأفقدتها دورها الثقافي والحضاري، وإذا كان هذا العبث وهذا السخف هو ما كان يجري في البلاد وبصورة ممنهجة وعلنية!!! فهل يبقى ذلك هو السائد بعد ثورة فبراير!!!!
والذي لا شك فيه أن عقلية وطريقة القذافي العبثية في الإدارة والحكم، هي نفسها السائدة في طريقة عمل المجلس والحكومة، وليس أدل على ذلك، أن العلاقات الشخصية والعائلية والمصلحية والشللية هي وراء تعيينات كثير من الأشخاص، وبدون أدنى اعتبار للمصلحة العامة!!! والذي لا شك فيه أيضا أن عملاء القذافي وأزلامه ونتيجة لما كاانوا يتمتعون به من سلطات ومزايا، قد كونوا شبكات واسعة من العلاقات الممتدة في كل أرجاء البلاد، وهي في مجملها علاقات غير مشروعة، وبفضل هذه العلاقات، فإن نفوذهم وامتيازاتهم مستمرة حتى بعد سقوط النظام الذي أوجدهم، فقد قدموا من الخدمات والمنافع غير المشروعة، خاصة في ميدان الوظائف العامة التي كانت حكرا عليهم وحدهم دون سواهم، وهذا ما يجعلهم أصحاب فضل ومنة وتأثير وسطوة على كثير ممن المنتفعين!
والشيء الذي لا شك فيه أن المجلس الانتقالي و حكومته الانتقالية، ليس لديهما أي علم أو دراية بوجود الآلآف من الكفاءات الوطنية التي كابدت المعاناة والتنكيل في سجون القذافي ومعتقلاته، وفي المنافي والمهاجر وكذلك في الداخل ممن أقصاهم وأبعدهم القذافي و نظامه، هذه الكفاءات الوطنية التي لها القدرة العلمية والإمكانية المهنية لإدارة أمور البلاد وفي كل قطاعاتها ومرافقها وأجهزتها، ولكن الشيء الوحيد الذي يعيب هؤلاء، هو أنهم لا يجيدون فن التطبيل ولا ممارسة التملق، وهذا الفن وتلك الممارسة كانت هي المعيار الوحيد في نظام القذافي، وهذا ما أدى إلى الدمار والتخلف والهلاك الذي أصاب البلاد والعباد معا، فهل يبقى هذا المعيار مستمرا بعد ثورة فبراير؟؟؟؟!!!!
ومن أجل ذلك، فإنه يجب على المجلس الانتقالي وحكومته، الانتباه لخطورة الأوضاع الناشئة عن مخالفتهما لمبادئ الثورة وخروجهما على أهدافها، والإذعان لمطالب الشعب التي عبرت عنها الاعتصامات والمظاهرات والاحتجاجات الرافضة لأي شكل من أشكال التعامل مع عملاء القذافي وطباليه وأزلامه، ولتسقط كل المجاملات والعلاقات الشخصية والمصلحية والعائلية والشللية التي تشرعن أو تبرر ذلك التعامل الذي يعد خيانة للوطن وللثورة ولدماء الشهداء، وهو ما لايمكن القبول به، في أي حال من الأحوال، فقد تحررنا وحررنا الوطن.
د. علي أبو شنة الغرياني
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق