أتقدم للرأي العام الليبي ومجتمعه المدني و للثوار والساسة وصناع القرار بهذا المقترح والرؤية لحل اساس الأزمة في ليبيا كما أراها .. وهذا المقترح مقدم الآن بين يدي المؤتمر الوطني العام وأعضائه
============================== ========
(ليبيا بين الوضع المقلوب
والاستقرار المطلوب )
عقب حروب التحرير يُجرَّد المهزوم من سلاحه ، وتتولى قوات التحرير مهمتين اثنتين مرتبطة كل مهمة منهما بالأخرى ارتباطا لا انفكاك منه : مهمة ضبط الأمن داخليا ، ومهمة الدفاع عن حدود الوطن .
هذا ما يجري في كل أنحاء العالم ، ولا يتصور أن يجري خلافه ، فالجيش السنوسي - بوصفه الجيش الذي ساهم مع الحلفاء في تحرير ليبيا من إيطاليا - كان هو نواة الجيش الليبي الذي اضطلع بمهمة الدفاع عن البلاد منذ إعلان الاستقلال ، وقد ظل التاسع من أغسطس يوم تأسيسه في المهجر يوما تُحيا ذكراه كل عام حتى انقطع الاحتفال به بعد انقلاب 1969 إلى أن أعادت ثورة 17 فبراير إحياء هذه الذكرى الوطنية .
وما جرى في ليبيا من تولي جيش التحرير مهمتي الأمن والدفاع جرى مثله في الصين عقب انتصار ماو تسا تونغ ، وفي أسبانيا بعد انتصار اليمين بقيادة فرانكو ، وفي فيتنام عقب سقوط سايجون ، وما لنا نذهب بعيدا ؟ ففي الجزائر كان جيش التحرير الوطني الجزائري الذي خاض الحرب ضد فرنسا هو الجيش الجزائري الآن وربما بالاسم نفسه .
نعم هذه هي القاعدة المنطقية التي يقبلها العقل ويفرضها واقع الانتصار .
وفي ليبيا عقب التحرير الذي أعلن في 23/10/2011 تولى الثوار الذين أسقطوا الطاغية وقاتلوا مرتزقته ، تولى هؤلاء الثوار حفظ الأمن ، محافظين على شرعية المجلس الوطني الانتقالي ، وقاموا بواجب حماية هذه الشرعية وما انبثق عنها ، فهم من حمى العملية الانتخابية يوم 7/7/2012 ، وحمى الشرعية يوم هددت أيام 15 و 16 و 17/2013 ، وهم من قبض على المجرمين من فلول النظام السابق ، وهم من قضى على تجارة المخدرات في أشهر أحياء طرابلس معروف بتجارة المخدرات ، وهم من استهدفهم بالاغتيال تجار المخدرات المسلحون ، كما جرى للشهيد/جمال الغائب ، وهم من يُدْعَى في كل ملمة للتصدي لجميع الأخطار التي تهدد أمن البلاد ، جرى ذلك في الكفرة ، وفي وادي الشاطئ ، وفي بني وليد ، وفي تمنهنت ، واحتلال المطار ، وغيرها ، هذا من حيث الواقع .
أما من الناحية الرسمية فمازال بعضنا يصف حُماة الشرعية هؤلاء بأنهم كتائب غير شرعية ، بل وخارجة على القانون ، بل ويطلب منهم إلقاء السلاح وتسليمه ، فإذا سألتَ لمن يسلمون السلاح ؟ لا تجد أمامك إلا ثلاث جهات :
1- جيشا مفكك الأوصال ، ليس به وحدة قتالية واحدة ، ترهلت عناصره بين الأعمال المكتبية والأعمال التجارية ، فقد حصر النظام السابق الأعمال القتالية في كتائبه الأمنية المبنية على عقيدة حماية النظام وعبادة رأس النظام ولا شيء غير ذلك ، ولا أدل على عجز هذا الجيش من إخفاقه في حماية نفسه ، وأنّ من يقوم بحمايته هم الثوار أنفسهم ، بل عجز عن تعقب المجرمين والفلول الذين هاجموا وحداته وقواعده العسكرية ، فلم يتعقبهم ويقبض عليهم إلا الثوار .
2- جهاز شرطة طاله من النظام السابق ما طال الليبيين من إفقار وتجهيل وإفساد - إلا من رحم الله – فما كان من كثير منهم - أمام انفلات الأمن وهروب مجرمي الحق العام من السجون وتسلحهم - إلا أن لزم بيته وأغلق عليه بابه .
3- الكتائب الأمنية للنظام السابق .
فمن من هؤلاء يصلح لاستلام سلاح الثوار ، أم يراد من المنتصر أن يسلم سلاحه إلى المهزوم ؟
أما أغرب ما سمعت في هذا الشأن رغبة بعضنا (تصريحا وتلويحا) في الاستعانة بقوة خارجية لحفظ الأمن وأنا أذكِّر هؤلاء بأن الشعب الليبي - وهو في أحلك الظروف حين كان يواجه الطاغية وهو أعزل من السلاح وتجري مشاورات بين مختلف الأطراف (دولية وداخلية) عن كيفية حماية المدنيين - قد رفض رفضا قاطعا نزول قوات أجنبية على أرضه حتى قال المستشار رئيس المجلس الوطني الانتقالي إنه : (في حال نزول قوات أجنبية على الأرض الليبية فإن الثوار سيقاتلونها مع قتالهم ضد القذافي) ، وأذكِّرهم أيضا بأن هذا الالتزام بقتال القوات الأجنبية لم يصدر ولن يصدر من السلطة الشرعية ما يلغيه .
ولكن .. وإذ لا يجوز إغماض العين عن مشكلة أيا كان حجمها ، فبقدر ما سارت الثورة على المستوى السياسي في أسلم طريق ، وهو اجتماع كلمة الليبيين على المجلس الوطني الانتقالي ، فقد كان الخلل الكبير في المسار العسكري ، فرغم الانتصار – وهو إنجاز إسطوري - إلا أن عدم اجتماع الثوار على قيادة عسكرية واحدة يدينون لها بالطاعة ، وتستلم عقب الانتصار المهام الأمنية والدفاعية كان مشكلة .
نعم لهذا الخلل ظروفه التي أدت إليه ولا نريد إضاعة الوقت في تحليل أسبابه ولا تبريره ، بل نريد النظر إلى الأمام فهل من حل ؟
الحل بسيط نظريا ، الحل هو العودة إلى القاعدة المنطقية التي يقبلها العقل ويفرضها واقع انتصار الثورة ، والتي جرى العمل بها في كل انحاء العالم : يتولى الثوار المنتصرون استلام المرافق الأمنية والدفاعية ، ويستسلم جميع أفراد القوى المحسوبة على النظام السابق كتائبه ، ومتطوعوه ، وجيشه ، وشرطته ، ومؤسساته الأمنية .
ولكن من الناحية العملية الآن يواجهنا سؤال : من هم الثوار ؟ ونحتاج في الإجابة إلى استعادة الإرادة والروح التي أخرجت الليبيين في 17 فبراير ليواجهوا الطاغية بصدورهم العارية ، لقد حمل السلاح بعد التحرير فئات كثيرة ، وكل يدعي وصلا بالثورة ، وقبل الدخول في متاهة يصعب الخروج منها نقول : إن هناك ثواراً الإجماعُ منعقدُُ على أنهم قاتلوا الطاغية ، واشتركوا جميعا في إسقاطه ، ولا أريد الآن ذكر أسماء بعينها حتى لا يتحول المقترح إلى دعاية قد توصف بشتى الأوصاف ، هؤلاء الثوار (المجمع عليهم ومنهم المدنيون ومنهم العسكريون) بدلا من دعوتهم إلى إلقاء السلاح والانصراف إلى أعمالهم ، يجب تكليفهم بإتمام المهمة التي خرجوا من أجلها يوم 17 فبراير ، فيجب صدور قرار من السلطة الشرعية المنتخبة – وتحديدا من المؤتمر الوطني العام - قرار يجمعهم تحت مجلس عسكري واحد يكون تحت إمرة المؤتمر ، ويسمي القرار أعضاء هذا المجلس من قادة الثوار الحائزين على الإجماع السابق ، وليس هناك أساس يبنى عليه أقوى من الإجماع ، ينتخبون فيما بينهم رئيسا ونائبا له ، وتخضع لهذا المجلس كافة كتائب الثوار بالمواصفات والمعايير التي يضعها هذا المجلس نفسه بقرار من أغلبية أعضائه ، ويتولى هذا المجلس المهام الآتية :
1- استلام جميع المرافق والمواقع الأمنية والدفاعية ومحتوياتها .
2- حفظ الأمن والدفاع بالقوات التابعة له وما ينشئه من قوات .
3- إعادة بناء الجيش والشرطة وكافة الأجهزة الأمنية على أساس من عقيدة جديدة تقوم على حماية الوطن والمؤسسات الدستورية والنظام الشرعي القائم عليها ، والتي أثبت الثوار بسلوكهم أنها عقيدة راسخة لديهم .
4- وضع المعايير والشروط التي بموجبها يتم ضم الثوار أفراداً وكتائب إلى القوات المسلحة .
5- النظر في وضع الجماعات المسلحة ممن لم تحظ بالإجماع ، والتحقق من مشاركتها في الثورة والتحرير ، فمن ثبتت مشاركته ضم إلى القوات المنضوية تحت المجلس ، ومن لم يثبت حُلَّ وسلم أسلحته ، وتخضع قراراتها في هذا الشأن إلى رقابة القضاء بمنح ذوي الشأن حق الطعن في قراراتها متى خالفت الحقيقة .
6- وضع المعايير والشروط التي بموجبها يتم استبقاء أفراد الجيش والشرطة في الخدمة مع مراعاة قوانين النـزاهة والوطنية والعزل السياسي مع خضوع قراراتها بضم أحد أو استبعاده لرقابة القضاء .
7- وضع مدونة سلوك ملزمة تضمن مواجهة كل انحراف محتمل سواء من القوة الحالية أو من القوة التي تنبثق عنها في صورة الجيش المستهدف بناؤه ، أو القوى الأمنية الأخرى مع وضع آليات المحاكمة العادلة لمن يخرق قواعد هذه المدونة .
إن هذا هو الوضع الطبيعي الذي يعيد الشرعية إلى أهلها ، وبدلا من الوضع المقلوب المتمثل في مطالبة الثوار بالانضمام إلى (الجيش) الذي ثاروا على من أفسده وأفقده أبسط مقومات الجيوش ، يكون الوضع الصحيح مطالبة عناصر الجيش الشرفاء بالانضمام إلى الثوار ، وعرض خدماتهم وخبراتهم على بُناة الجيش الجديد للمساهمة في بنائه ، وهذا الوضع الصحيح هو الذي يعيد الاستقرار والأمن إلى البلاد بوضع الأمن في يد من يقدر على حفظه ، وأثبت بتضحياته أنه أمين على أمن البلاد واستقرارها ، أما من عدا هؤلاء الثوار (المجمع عليهم) فلم تثبت قدرتهم ، والأمانة والقدرة ركنا الجدارة بالتكليف .
وما أرى إفادة رئيس جهاز المخابرات الليبية أمام المؤتمر الوطني العام في جلسة الأحد 28/4/2013 إلا تصب في هذا الاتجاه حين قال : (لا أمن لليبيا إلا بهيبة الدولة ، ولا هيبة بدون جيش ، ولا جيش بدون استيعاب الثوار) . وليس من طريقة أفضل لاستيعاب الثوار من تكليفهم بإتمام مهمتهم ، فهم من دمَّر قوة البغي ، وهم من يبني قوة الخير .
إن مصدر القلق والاضطراب في أي مجتمع هو افتراق الشرعية عن القوة ، فهما قطبان مختلفان لمغناطيس السلطة (الركن الثالث من أركان الدولة) وبينهما ما بين الأقطاب المختلفة من قوة التجاذب ، وتنـزع كل منهما إلى الأخرى نزوعا فطريا ، ولا سكون أو استقرار إلا بالتحامهما ، ولا جدوى من تجاهل السنن الكونية ، أو ما يسمى قوانين الطبيعة ، ومن فضل الله علينا ان القوة أثبتت أمانتها ، فما علينا إلا إسباغ الشرعية على القوة الأمينة فـ(إن خير من استأجرت القوي الأمين) .
محمد عمران مرغم
عضو المؤتمر الوطني العام
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق